دائماً ما أقف عن هذه الكلمات التي قالها الفيلسوف رينيه ديكارت (( أنا أفكر إذن أنا موجود )) وأتأمل في عمقها فقد ربط وجوده - حياته - بالفكر والتفكر والتدبر والتعلم والفهم ، والتفكير السليم يقود إلى النور والنور لا يكون إلا عن طريق العلم الذي تأخذ منه المفاتيح التي ترشدك إلى التعمق في التفكير وهو الموصل الأساسي للحكمة ، فلا حكمة دون تفكر وتدبر ، قال الصادق الأمين عليه وآله الصلاة والسلام : (( الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجد المؤمن ضالته فليجمعها إليه))وقال عليه وآله الصلاة والسلام ((كلمة الحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها فهو أحق بها )) وقد أشار الله جل جلاله في محكم التنزيل إلى العقل - الفكر - الحكمة - الفهم (الفقه) -العلم ، قال الله تعالى:{أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ } ، وقال جل جلاله : {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ } ، وقال جل جلاله : { يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ } ، وقال جل جلاله في العلم : { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ } وقال جل جلاله : { يرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } وقد ذكر الله الفهم قال جل جلاله : { انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ } والفقه في اللغة يعني الفهم كما أشار أهل العلم .
وقد ذكر الكاتب الكبير عباس محمود العقاد رحمه الله في كتابه التفكير فريضة إسلامية : " من مزايا القرآن الكثيرة مزية واضحة يقل فيها الخلاف بين المسلمين وغير المسلمين ؛ لأنها تثبت من تلاوة الآيات ثبوتاً تؤيده أرقام الحساب ودلالات اللفظ اليسير ، قبل الرجوع في تأييدها إلى المناقشات والمذاهب التي قد تختلف فيها الآراء .. وتلك المزية هي التنويه بالعقل والتعويل عليه في أمر العقيدة وأمر التبعة والتكليف . ففي كتب الأديان الكبرى إشارات صريحة او مضمونة إلى العقل أو إلى التمييز تأتي عرضا غير مقصودة وقد يلمح فيها القارئ بعض الأحايين شيئاً من الزراية بالعقل والتحذير منه ، لأنه مزلة العقائد وباب من أبواب الدعوى والإنكار .. ولكن القرآن الكريم لا يذكر العقل إلا في مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل به والرجوع إليه ولا تأتي الإشارة إليه عارضة ولا مقتضبة في سياق الآية ، بل هي تأتي في كل موضع من مواضعها مؤكدة جازمة باللفظ والدلالة ، وتتكرر في كل معرض من معارض الأمر والنهي التي يحث فيها المؤمن على تحكيم عقله إو يلام فيها المنكر على إهمال عقله وقبل الحجر عليه ، ولا يأتي تكرار الإشارة إلى العقل بمعنى واحد من معانيه التي يشرحها النفسانيون من أصحاب العلوم الحديثة ، بل هي تشمل وظائف الإنسان العقلية على اختلاف أعمالها وخصائصها ، وتتعمد التفرقة بين هذه الوظائف والخصائص في مواطن الخطاب ومناسباته ، فلا ينحصر خطاب العقل في العقل الوازع ولا في العقل المدرس ولا في العقل الذي يناط به التأمل الصادق والحكم الصحيح ، بل يعم الخطاب في الآيات القرآنية كل ما يتسع له الذهن الإنساني من خاصة أو وظيفة .. " أهـ ، هنا نرى الكاتب يشير لتعظيم القرآن للعقل وهو الذي يقودنا للتفكير والآيات التي تدل على ذلك كثيرة ذكرت آنفاً بعضها و ومن يتدبر القرآن الكريم يجد فيه ضالته دون شك فهو المعجزة الكبرى التي تصلح لكل زمان ومكان ، جعله الله ربيع قلوبنا و نور صدورنا و جلاء أحزاننا و ذهاب همومنا و غمومنا . وقد قرأت حكمة من حكم باب مدينة العلم سيدي ليث الله الغالب الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال فيها " العقل : الإصابة بالظن ، ومعرفة مالم يكن بما كان " وقال " الفكر مرآةٌ صافية ، والإعتبار منذر ناصح ، وكفى أدباً لنفسك تجنبك ما كرهته لغيرك . " ، وحين نتأمل فقهاء الأمة المتقدمين ، نجدهم يضعون حلول لمسائل ليس لها وجود في واقعهم قد يستغرب منها بعض طلابهم أو من يحضر ندواتهم ودروسهم ، ولكنها حقيقة هي من ثمرات الفكر السليم ، وكأنهم تفرسوا أنه سيأتي بعدهم أقوام يعطلون التفكير ويعتمدون على من قبلهم دون التدبر والتمحص ، بل وصل العجز بنا كمسلمين اننا سلمنا عقولنا للغير ، و أعجبنا ما أتى به ، رغم أنه أعاد تصدير فكرنا لنا مرة أخرى وبما يريد هو ، فصدر لنا ما يعود عليه بالنفع ، وترك ما يفتح لنا الآفاق ، بل أنه جعل المفكر والعاقل ليس له قيمة في الأوساط الإسلامية ، إلا من أضطر الناس لسؤاله عن أمر دينهم وما يحتاجون له من أمر دنياهم ، و غرز في ذهن العالم أن المسلم رجل همجي ، فوضوي ، غليظ الطبع ، إلا اعتقد الكثير من الناس و منهم الكثير من المسلمين ، أن الإسلام كفكر يدعم العنف .. وقد نسي المسلمون مافعله المستعمر في جزر الشرق الأقصى من تنصير إجباري لأهل تلك البلدان ، وطمس لهويتهم الإسلامية ، والملفت أن الإسلام نشر في تلك الاصقاع بالكلمة والموعظة الحسنة ، نشر بالمحبة والمودة والأمانة ، نشر بالخلق الحسن الذي جذب تلك الشعوب للدخول في دين الله أفواجاً.. ولكن يظل التقهقر إلى الوراء ماهو إلا نتاج فكر أحادي ، يصارع رواده إلى مبدأ الوصاية على الأمة ، فالناجي من تبع ذلكم الفكر ، والخاسر من لم ينهج نهجهم ، فلا جعل مكان للكلمة السواء ولا غيرها ... فنتج عن ذلك تخلف فكري ، جعلنا نتفكر في الإختلافات ، وخلقها متى ماوجدت ، و نسينا التوافق والتلاحم والمحبة التي حثنا عليها الدين الحنيف . ـ
[الشريف هاشم بن فيصل] [ 12/03/2010 الساعة 12:31 مساءً]
السيد الهاشمي رضا .. ارى في مقالك قبس من نور المعرفة التنويرية .. معرفة العقل .. معرفة التفكر والتدبر .. مقال يستحق الاشادة .. أتمنى لك الاستمرار ..
مثل هذا فلتكتب الاقلام
[ابو يوسف] [ 13/03/2010 الساعة 7:58 صباحاً]
شكرا على هذا المقال الجميل ونتطلع الى المزيد
[محمد الاسمري] [ 13/03/2010 الساعة 7:36 مساءً]
المشكله ان هناك اناس يخالفون العقيدة ويقولون انهم يستخدمون عقولهم فهل هم فعلا استخدموا عقولهم ام اهوائهم !
[الشريف نمي] [ 15/03/2010 الساعة 5:01 صباحاً]
حسب ما اطلعت عليه فلا وجود لحقيقة مطلقة, فلا شك بأن هؤلاء استخدموا الفكر للوصول إلى معتقداتهم الدينية, لكن السؤال إلى أي مدى جردوا عقولهم من العادات و القبلية و التعصبية حتى وصلوا إلى مستوى فكرهم في العقيدة؟!
و من يملك أداة القياس؟ في مجمله يكون بالظن, فلا نعاتب الفكر, لان الرسول عليه الصلاة و السلام قال ان الله أمر الانبياء أن يخاطبوا الناس على قدر عقولهم.....
فلكل مرء محيط يحيط عقله وبه نتائج افكاره, فأنا عندي لا إنكار على اجتهاداتهم العقلية, لكن الا ينسبونها للحق المطلق, الذي لا يتناطح فيه عنزان كما يقول "الدكتور علي الوردي"
[عبدالرحمن بن شهاب] [ 15/03/2010 الساعة 11:37 صباحاً]
بارك الله فيك يا سيد رضا وفتح عليك من واسع الفهم والعلم.
كم نحن بحاجة للعقل لنعقل ديننا أولاً, وليس مجرد الإتباع دون فهم مما يجعل ميلان الإنسان عند تعرضه لعواصف الشبهات أمر سهل.
من يخشى على العقيدة من الفهم, نقول له أن أساس عقيدتنا الإسلامية هو الفهم وللقرآن صولات وجولات في خطاب العقل وإفحام من ينكر ذلك