د/معن الجربا المدير و المشرف العام
يوجد في أدبيات الأحزاب السياسية ذات المرجعية الدينية في اوروبا واميركا عقيدة تسمى عقيدة عودة ظهور السيد المسيح ليحكم العالم من جديد ولتبدأ معه الألفية الجديدة التي سينعم بها العالم بألف سنة من الرخاء والأمن, وفيما يبدو انه بعد تفكيك الاتحاد السوفياتي في عام 1991 بدأت بالنسبة لتلك الاحزاب إمكانية تنفيذ هذا الحلم حيث اصبحت اميركا ذات المرجعية الثقافية المسيحية القوة الوحيدة في العالم وقد ظهر تبعا لذلك مصطلح "القطب الأوحد". ومن الملاحظ انه لم تستطع دولة واحدة في تاريخ البشرية امتلاك كل هذه القوة والهيمنة والامكانات الجبارة في سيطرتها على العالم الا الولايات المتحدة فقط وبتحالف مع ابنها الصغير بريطانيا وحليفها المدلل اسرائيل. ومن هذا التاريخ الذي انهار فيه الاتحاد السوفياتي بدأت اميركا بالتحضير لمشروع ضخم جدا تم اطلاقه عام 2000 هو مشروع ألفية المسيح الجديدة للسيطرة على العالم مباشرة ومن دون وسطاء او وكلاء.
ولكن خروج رايات جيوش المسيح من اميركا للسيطرة على العالم كان يحتاج الى مبرر قوي يسمح بخروجها من دون أن يلومها أحد من المجتمع الدولي لذلك فقد كان لابد من حدث ضخم يهز العالم ويسمح لتلك الجيوش أن تنطلق. نعم ايها السادة الكرام انها احداث 11 سبتمبر 2001 التي اصطنعتها المخابرات الاميركية والاسرائلية لتبرر هذا الخروج ولتعلن الحرب الصليبية الجديدة كما سماها جورج بوش الابن الذي ادعى امام وسائل الاعلام بأن الله يتكلم معه يوميا وهو الذي أمره بدخول العراق.
ولكن هنا لابد لنا من وقفة تأمل بعض الشيء! فعن أي مسيح تتوقعون اننا نتحدث هنا? هل هو المسيح (عليه السلام) نبي الرحمة والسلام ام هو المسيح الدجل والضلال? للأسف فيما يبدو اننا نتحدث هنا عن جيوش المسيح الدجال وليس عن مسيح السلام. كيف لا وكل افعال اميركا هي افعال الشيطان من ظلم وجبروت وقهر للشعوب, كيف لا وكل افعال اميركا هي افعال الدجال او من "يمهد لخروج دجال" والتي أخبرنا بها الرسول الكريم (عليه الصلاة والسلام) حيث ذكر من صفاته انه "يسابق الريح" و"يسيطر على العالم" و"سيكون أقوى اتباعه هم اليهود" و"سيفتن به النساء والرجال" وانه "يستطيع ان يفقر ويغني" وينزل المطر ويحيي ويميت وانه "سيخرج من المشرق ويظهر امره في العراق" وان "قدمه ستطأ كل العالم الا مكة والمدينة" وبمقارنة بسيطة وسريعة سنجد ان كل هذه الصفات تنطبق على اميركا حيث انها هي التي رفعت راية المسيح في حروبها واطلقت شعار الحملة الصليبية المسيحية الجديدة, وقد جاءت الى عالمنا الاسلامي من المشرق باحتلالها "أفغانستان" ثم ظهر امرها في "العراق" بعد احتلاله لتعلن للعالم وبكل غرور انها هي القوة الوحيدة والعظمى في العالم وانها لن تحتاج لمساعدة أحد بعد الان ولا حتى حلفائها في أوروبا ثم اعلنت بعد ذلك مشروع الشرق الاوسط الجديد الذي سيقسم المنطقة الى دول اصغر فأصغر وذلك تمهيدا لاعلان اسرائيل الكبرى من الفرات الى النيل. نعم بكل تأكيد انها اميركا التي تستطيع ان تحاصر اغنى دول في العالم لتجعلهم فقراء يموتون جوعا وعطشا كما في "العراق" وتستطيع ان تجعل امارة في وسط الصحراء لا تملك اي من مقومات الاقتصاديات العالميه لتصبح أزهى وأبها مدن العالم كإمارة (دبي), انها اميركا التي تستطيع ان تنزل المطر اصطناعيا, وتميت بإرسال القنابل والامراض والحصار على أي دولة تشاء وتستطيع ان تحيي الموتى بصرف كل ذلك عنهم, وتسابق الريح بطائراتها وبارجاتها. انها اميركا التي فتن بحضارتها وقوتها كل العالم وأقوى أنصارها وأتباعها هم اليهود والصهاينة, انها اميركا التي وطأت قدمها كل العالم من خلال نفوذها وسفرائها ومبعوثيها الذين يجوبون العالم كله ولكنهم لا يتجرؤن على دخول مكة والمدينة بأي حال من الأحوال خوفا من رد فعل العالم الاسلامي. نعم انها اميركا التي رغم سوء أفعالها وقبيح صورتها في عين العالم اليوم والتي لا يختلف على كفرها اثنان من المسلمين ولكن رغم كل ذلك فإن الناس يطيعونها وينصاعون لأوامرها وهذا كله يطابق بالضبط ما أخبرنا به الرسول (عليه السلام) عن الدجال (مجازا) بانه اعور العين اي انه "قبيح الصورة في أعين الناس" وانه (مجازا) مكتوب على جبينه كافر يقرأها المتعلم والجاهل اي ان "كفره واضح كل الوضوح ولن يختلف عليه اثنان" ولكن رغم قبح صورته في أعين الناس ووضوح كفره لهم الا أنهم سيتبعونه ويطيعونه ويفتنون به.
اميركا "الدجال او من يمهد للدجال" وبعد ان جاءت الينا من المشرق وظهر امرها بالعراق اعلنت بكل غرور مشروع الشرق الاوسط الجديد ثم سربت الخرائط الجغرافية الجديدة والتي قسمت بها المنطقة الى دول عدة صغيرة. فالسعودية مقسمة الى اربع دول ومصر الى ثلاث دول والاردن يتحول الى وطن قومي للفلسطينيين وكل ذلك تمهيدا لاعلان اسرائيل من النيل الى الفرات. ولكن كانت المفاجأة الكبرى بالظهور السريع للمقاومة في العراق والتي لطمت اميركا على خدها الايمن ثم انتفضت المقاومة اللبنانية في حرب عام 2006 لتلطمها على خدها الايسر ثم انتفضت المقاومة في غزة وافغانستان هذه المقاومات الشريفة اشغلت اميركا وجعلتها تؤجل مشروع تقسيم المنطقة الى حين الانتهاء من المقاومة ومن الدول التي تدعم المقاومة اذن وبكل بساطة فإن من مصلحة دول المنطقة ان تبقى المقاومة مستمرة وان تبقى الدول التي تدعم المقاومة ( ايران وسورية وتركيا ) صامدة حتى لا تتفرغ اميركا لتقسيم دول المنطقة وقيام اسرائيل الكبرى.
هذا المقال يحاول ان يركز على فكرة أساسية هي خطر اميركا على المنطقة ومشروعها لتقسيم الدول العربية الى دول صغيرة مشتتة متناثرة لتعلن بعد ذلك قيام دولة اسرائيل الكبرى من الفرات الى النيل. لكني عرجت بفكرة المسيح الدجال كاجتهاد مني فقط وذلك لوجود تشابه شديد بين ما ذكره الرسول الكريم (عليه السلام) وبين اميركا لأني أعتقد وكرأي شخصي بأن الاحاديث الواردة عن الدجال هي احاديث رمزية ومجازية وليست حرفية, فمثلا عندما يقول الرسول الكريم إن "الدجال سوف يأتي على حمار يسابق الريح وما بين اذنيه اربعون ذراعا" فالراجح ان النبي (عليه السلام) لا يقصد ذلك الحيوان الذي نعرفه انما يقصد الطائرة والمخترعات الحديثة ولكنه اراد ان يقرب الصورة والفكرة لعقول الناس في ذلك الزمان. وكذلك عندما يقول النبي ان الحديد سينطق في آخر الزمان فإن ذلك لا يعني ان الحديد سيصبح له روح ولسان لينطق به ولكن الراجح ان المقصود هو التلفاز والمسجل والهاتف. فالمجاز وارد في تفسير الاحاديث النبوية كما هي الحال في تفسير القرآن الكريم فمثلا عندما يقول الله تعالى في وصف القرآن الكريم بأنه "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه" فهذا لا يعني بأن القرآن الكريم له يدين وانما هو تعبير مجازي تعرفه بلاغة اللغة العربية كذلك عندما يقول الله سبحانه وتعالى "فمن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا" فليس المقصود أن الانسان سيستطيع إحياء الموتى ولكن المقصود ان من سيساعد وينقذ نفسا من الهلاك فإنه له من الأجر كمن أحيا الناس جميعا وهذا يفسر لنا قول الرسول الكريم أن الدجال يميت ويحيي أي انه يستطيع ان يرسل الموت الى الناس بالحروب والامراض والأوبئة أو يصرفه عنهم. وايضا عندما يقول الله سبحانه وتعالى "أفرأيت من اتخذ إلهه هواه" فهذا لا يعني أن الانسان سيضع هواه ورغباته أمامه ثم يسجد لها ويركع انما المقصود أن الانسان سوف يطيع هواه كما يطيع أوامر الله, وهذا يفسر لنا قول الرسول الكريم بأن الناس ستعبد الدجال أي انها ستطيعه وتخضع لأوامره كما تخضع لأوامر الله وهذه هي حال الناس اليوم مع اميركا والحضارة الغربية.
اما بالنسبة إلى موضوع حديث الجساسة وتميم الداري (رضي الله عنه) الذي رآى الدجال في جزيرة من الجزر وانه كان رجلاً مغللاً بسلاسل, فأقول إن المسألة هنا ربما تكون مجازية أيضاً وذلك كله من اجل إيصال عبرة وفائدة للناس من هذه القصص من خلال تعبير مجازي وليس حقيقياً وذلك حتى تستوعبه عقول الناس في ذلك الزمان بالضبط كما تمثلت الدنيا للرسول عليه السلام على شكل إمراة عجوز في حادثة الاسراء والمعراج . أما قصة ابن صياد فمن الواضح ان ذلك كان اجتهادا من الرسول الاكرم وليس وحيا والدليل على هذا ان ابن صياد لم يكن هو الدجال وقد تركه الرسول لحال سبيله.
اخيرا فإن الملاحظ في احاديث آخر الزمان ان الثابت منها هو خروج الدجال وعيسى ابن مريم (عليه السلام) والمهدي المنتظر اما التفاصيل وترتيب الاحداث فكلها احاديث ضعيفه. طبعا وبكل تأكيد ان هذا مجرد اجتهاد مني قد يصيب وقد يخطئ ولكن احذروا فربما تكونون حلفاء للدجال وعبيدا له وانتم لا تشعرون.
maanaljarba@hotmail.com