عبد العزيز العميري / كاتب سعودي
سررت وأنا أقرأ خبر دراسة توحيد الفتوى في السعودية ، وتقنينها عبر ضبط مساربها ، وتحديد المخولين رسمياً وشرعياً لها ، استنادا إلى الأهلية الشرعية المعتبرة . ليمنعوا بتقنينها التداخل ، والاضطراب الحاليين، خصوصاً مع انتشار فتاوى الفضائيات ، والمواقع الإلكترونية. ودعوت الله أن تكون دراسة تفضي إلى قرار عاجل يطبق .. لا لأني مع تحجيم الآراء ، أو من دعاة الرأي الواحد ، والحزب الأوحد - لا قدر الله – ولكنها الحاجة الملحة لوقف نزيف المتعالمين الذين يهرفون بما لا يعرفون . ويفتون بما لا يعلمون . ويضلون من حيث يدركون ، أو لا يدركون .
لقد أصبحت الفتوى – ببالغ الأسف - مهنة من لا مهنة له في عصرنا هذا . انبرى لها من لا يملك أبسط أدوات العلم ، والاجتهاد من أغيلمة التحليل ، والتحريم بغير علم امتهانا لها تارة ، وشغفا في بلوغ قمة الشهرة تارة أخرى .
أغيلمة ملئوا الدنيا ضجيجا بآراء مهزوزة لا تستند إلى دليل صريح ، أو نقل فصيح . ورويبضة أوسعوا آذان العامة صخبا في اختيارات فقهية شاذة في شذوذها تمس المجتمع ، وتهز بنيته المتماسكة . وتخلق من مكوناته صراعات دينية ، وفكرية ، وحضارية تفرق المتفرق ، وتشرذم ما بقي من المتشرذم .
لقد أصبح مشروع توحيد الفتوى وتقنينها في عالمنا الإسلامي عامة ، ومجتمعنا السعودي خاصة ضرورة ملحة وبالأخص فيما يمس المسائل العامة الاجتماعية ، والسياسية ، والاقتصادية ، والطبية ، وسواها . والتي تحتاج إلى دليل بيّن من مجتهد يدعم مشروعيتها ، ورأي ديني من متخصص يسند كياناتها ، ويقويها .
إن تقنين الفتوى في مثل هذه المسائل العامة يغلق الطريق على أولئك المتعالمين أولي ( المشالح المذهبّة ) ذوي ( المرازيم المهندمة ) الذين لا هم لهم سوى البحث المستميت عن موضع قدم لهم بين المتخصصين من العلماء الربانيين أولي الدراية والاجتهاد عسى أن تشرق لهم في سماء الشهرة شمس ، أو يسطع لهم في شاشات التلفزة نجم ، أو يحلّق لهم بين فضاءات البرامج اسم ولو لم يكونوا أهلا لذلك ، أو حتى بعضه .
لهؤلاء ، وبسببهم وجب التحرك لتقنين الفتوى ، وصار لزاما على جهات الاختصاص وضع الآلية المناسبة للاختيار الأمثل لمن يعلّم الناس أمر دينهم ، ويفتيهم في ما أشكل عليهم ، أو يشكل . وحريّ أن يكون كل ذلك عبر ضوابط معلومة، وشروط معروفة ليعرف العامة من خلالها من يستفتون . ولتحدد للناس الأسماء ، وتسمى لهم المسميات كي يفرقوا بين العالم المفتي ، والداعية الواعظ ، والفيلسوف المتمنطق ، والقاص المحتطب .
لقد آن أوان فرز الغث من السمين في هذه الحيثية . ووقف مهزلة القول على الله بغير علم . والصدور بالفتوى من مجلس اجتهاد موحد يضم علماء متخصصين في كافة علوم العصر وفي مقدمتها الشريعة الغراء . ثم لنسمح بعد ذلك إن أردنا تجاوزا للوعاظ ، والقصاص أن يدلوا بدلوهم عبر إجازات تسمح لهم ، وتخولهم ممارسة الوعظ بالترغيب ، والترهيب دون سواهما شريطة معاقبة من يتجاوز منهم ذينك الفنّين ، أو عنهما لغيرهما يحيد . قال الله تعالى : } ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع قليل ولهم عذاب أليم {.