حوار وتجديد (متابعات) خالد المهدي :
دعا كاتب سعودي لإلغاء تنفيذ عقوبة الإعدام بحد السيف في الساحات العامة في السعودية واستبدالها بالقتل عن طريق الأبر المميتة داخل أسوار السجون.
وقال الكاتب عبد الرحمن الوابلي في مقالة نشرتها صحيفة الوطن السعودية اليوم الجمعة أن الإعدامات العلنية في الساحات العامة عن طريق حد السيف أصبحت من ممارسات التاريخ "والأحرى بأن لا تظل كذلك".
كما طالب منظمات حقوق الإنسان في المملكة وأعضاء مجلس الشورى بمناقشته حلول بديلة للإعدامات العلنية والمنفذة عن طريق حد السيف ورفعها لمسئولي الحكومة.
وأضاف بأن البحث عن بديل بات ضرورة ملحة وسيكون مناسبا وأكثر رحمة وقبولا لدى مزاج العصر.
ودعا الوابلي إلى البحث عن ما وصفه بطريقة تتماشى وروح العصر ومزاجه العام (في تنفيذ الاعدام) لتكون المملكة أكثر إنسانية ورأفة وتمثيلا لروح الإسلام على حد تعبيره.
ورأى بأن الإعدام عن طريق الإبرة المميتة داخل أسوار السجن "تؤدي الغرض الشرعي وأكثر".
وعدد الوابلي سلسلة محاذير للاعدامات العلنية بحد السيف منها تصوير الاعدامات وانتشارها عبر شبكة الانترنت وامكانية حضور الاطفال لمشاهدة تلك الاعدامات مما ينعكس عليهم بالتشوهات والأمراض النفسية.
عدا عن امكانية ترجمة أعمال القصاص على أنها وحشية ومقارنتها بما ينشره الإرهابيون من ذبح لضحاياهم وفقا للوابلي.
وتعد السعودية الدولة الوحيدة في العالم التي تمارس الاعدام بحد السيف في الساحات العامة في ممارسة المح الكاتب إلى بدائيتها وأنها جاءت تاريخيا كجزء من تثبيت مبدأ وجود السلطة وهيمنتها على الوضع العام.
وفيما يلي لمقال الكاتب المنشور في صحيفة الوطن السعودية.
هل نحن فعلاً بحاجة للإعدامات العلنية وبحد السيف بالتحديد..؟
لكل زمان ومكان أساليبه ووسائله في تنفيذ أحكام عقوباته الجسدية الصادرة عن مؤسساته القضائية على أفراد قد تجاوزوا قوانينه وأنظمته التي توجب إنزال عقوبات جسدية بفاعليها، ومنها عقوبة الإعدام. فعقوبة الإعدام وخاصة المطبقة على من قتل نفساً ومن دون حق ومع سبق الإصرار والترصد، هي من العقوبات التي سنتها الشرائع القديمة، وأتت لتؤكد عليها الشرائع السماوية، وأقرتها كذلك القوانين الوضعية الحديثة.
مع كون بعض القوانين الوضعية الحديثة، بعد منتصف القرن العشرين، قد قامت بإلغاء عقوبة الإعدام من قوائم عقوباتها، معتبرة أن القتل هو جريمة شنعاء يرتكبها الإنسان ضد الإنسان، سواء تمت عن طريق إنسان خارج على القانون أم تمت بواسطة إنسان يمثل القانون نفسه. وإلغاء عقوبة الإعدام آخذة في الانتشار الآن بين أنظمة وقوانين كثير من الدول، تحت ضغط جمعيات حقوق الإنسان الأهلية والدولية. ومقالي هذا لن يكون حول مناقشة جدوى حكم الإعدام من عدمه، ولكن عن جدوى طريقة وأسلوب تنفيذ حكم الإعدام العلني وبحد السيف من عدمه.
منذ كون الإنسان مؤسسات دولته البدائية الأولى بأجهزتها القضائية والأمنية قبل آلاف السنين، والعقوبات الجسدية والإعدامات تنفذ على مرأى ومسمع من الناس. وذلك كجزء من تثبيت مبدأ وجود السلطة ومن بعدها مفهوم الدولة وهيمنتها على الوضع العام. وقد تفننت بعض الشعوب في تطبيق العقوبات الجسدية والإعدامات العلنية، حيث وصل بعضها لسلخ جلود الأحياء، وتقطيع أوصال المعاقبين وصلة بعد أخرى، ورمي بعضهم بالدهون المغلية ووضع البعض منهم على الخوازيق، وما شابهها من عقوبات متوحشة وغير إنسانية.
وفي العصر الحديث، ومع رقي الإنسان وتحضره، لم تعد وسائل ووسائط الإعدامات القديمة مقبولة لديه. ولذلك استبدلها بوسائل ووسائط حديثة تتماشى وتقنيات العصر، مثل المشانق والإعدامات عن طريق إطلاق الرصاص على قلوب المحكوم عليهم. وفي القرن العشرين، ظهرت وسائل جديدة، تعتبر أكثر رأفة ورحمة من تلك القديمة ومتماشية مع مزاج العصر ومعطياته، مثل الإعدامات عن طريق الكراسي الكهربائية والإبر المميتة. ومع هذا، ومع كل هذا رافقه التأكيد على منع الإعدامات العلنية، فأصبحت الإعدامات تنفذ داخل السجون حصرياً.
إذاً فلكل زمان ومكان مزاجه العام الذي يتقبل أو لا يتقبل وسائط ووسائل تنفيذ أحكام الإعدام والعقوبات الجسدية لديه. ففي نهاية القرن العشرين وبداية الواحد والعشرين أخذ يتلاشى مفهوما الزمان والمكان الخاصان بكل شعب أو أمة، ليكون الزمان والمكان واحداً بالنسبة للعالم أجمع. ولذلك فلم يكن من المستغرب أن تطالب الدول الأوربية حكومة تركيا الإسلامية بإلغاء حكم الإعدام من لائحة عقوباتها و قوانينها، لكي تكون مؤهلة للترشح للدخول كعضو في السوق الأوروبية المشتركة، وفعلت تركيا ذلك مرغمة.
وبرغم أن الإسلام أقر حكم الإعدام إلا أنه من أول من شرع وقنن عملية ضبط وسائل وطرق تنفيذ حكم القتل بمن يرتكب جريمة القتل بدون حق. وذلك انطلاقاً من مبدأ أن قتل القاتل هو تطهير للقاتل من جريمة القتل التي ارتكبها في الدنيا، وليس تشفياً منه وتعذيباً له. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى ردعاً لمن تسول لهم أنفسهم التهاون والتساهل في قيمة الأنفس البشرية التي وهبها الله لهم وحماها وصانها شرعه المطهر.
ومع ذلك فقد حث الإسلام وأكد على فضل العفو عن القاتل من قبل ذوي المقتول،"... ومن عفا وأصلح فأجره على الله." كما جعل من وسائل التكفير عن الذنوب والأخطاء الكبيرة، إعتاق رقبة، والتي منها دفع دية المقتول لأهله نيابة عن القاتل العاجز مادياً عن دفع الدية. كما حث الإسلام المحسنين على إعتاق رقبة المحكوم عليهم بالقصاص، وجعل فضلها كبيراً وأجرها عند الله عظيماً، واعتبرها من قبيل إحياء النفس. إذاً فبالمجمل فقد حاول التشريع الإسلامي التضييق على تنفيذ أحكام الإعدام وجعلها مقصداً من مقاصده الإنسانية السامية والنبيلة.
هذا من ناحية حكم الإعدام، أما من ناحية طرق ووسائل تنفيذ حكم الإعدام، فقد راعاها الإسلام وذلك بوضع شروط لها؛ حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته." أو كما قال. أي أن طريقة القتل يجب أن تكون أحسن ( أي أكثر قبولاً من الناحية الإنسانية ) وهذا المبدأ ينطبق على قتل الإنسان قبل ذبح الحيوان.
كما أن الإسلام قد أباح بأن يكون تنفيذ بعض العقوبات علانيةً حيث قال تعالى " ... وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين". وذلك من أجل انتشار الخبر بين الناس، حتى تعم العبرة والعظة والردع والزجر، وليس لغرض الفرجة والاستمتاع بمشاهد ومناظر التعذيب بحد ذاتها. ولكن لكل زمان ظروفه ومعطياته التي يتكون منها مزاج عصره العام.
وأنا أرى أن الإعدامات العلنية ( في الساحات العامة ) وعن طريق حد السيف الذي يطبق لدينا، قد أصبحت من ممارسات التاريخ، والأحرى بأن لا تظل كذلك، والبحث عن طريقة تتماشى وروح العصر ومزاجه العام. خاصة كون الإعدامات الآن تصور عن طريق كاميرا الجوالات وتنشر عن طريق الشبكة العنكبوتية للعالم أجمع. وقد يتم ترجمتها على أنها وحشية، ومقارنتها بما ينشره الإرهابيون من ذبح لضحاياهم. وخاصة كوننا البلد الوحيد الذي يطبق الشريعة الإسلامية، وفي نفس الوقت، الذي يمارس الإعدامات العلنية وعن طريق حد السيف. عدا عن عدم ضبط أو التحكم بمن يحضروا لمشاهدة الإعدامات، حيث إنه عدد لا باس به منهم، هم من ذوي الأعمار الصغيرة ( أطفال ) والذين قد يعانون سلباً طيلة حياتهم، من الكوابيس والتشوهات والأمراض النفسية. وغير ذلك من السلبيات التي تنجم من مشاهدة الإعدامات العلنية بالسيف، في ظل تكاثر العدد سنة بعد أخرى. وانتشار وتوزيع لقطات الإعدامات في جوالات الصغار قبل الكبار.
وفي ظل توفر البدائل لطرق ووسائل الإعدام غير السيف والساحات العامة، أعتقد بأن البحث عن بديل سيكون مناسباً وأكثر رحمة وقبولاً من لدن مزاج عصرنا العام، وأصبحت ضرورة ملحة. فالإعدام عن طريق الإبرة المميتة مثلاً، وفي داخل السجن، قد تؤدي الغرض الشرعي وأكثر. حيث أمرنا صلى الله عليه وسلم إذا قتلنا بأن نحسن القتلة. ووجود مندوبين عن الدوائر المعنية بتنفيذ حكم الإعدام، وعدد من رجالات الإعلام، والسماح لعدد ممن تنطبق عليهم مواصفات حضور مثل هذا المشهد بالحضور، يفون في غرض التشريع "..وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين." كما أن وسائل الإعلام الرسمية وغير الرسمية سوف تقوم بتغطية ونشر الخبر.
والقتل عن طريق الإبرة المميتة، يمكن ذوي المقتول من استلام جثته، وغسلها والصلاة عليها ودفنها. أما عن طريق قطع الرأس فهذا يتعذر لصعوبة استلام ذوي القتيل جثمانه مفصول الرأس وما يشابه ذلك من تشوهات جسدية.
ولذلك فأنا أرفع اقتراحي هذا لمنظمات حقوق الإنسان لدينا وإلى أعضاء مجلس الشورى، لمناقشته ورفع ما يتوصلون له من حلول بديلة للإعدامات العلنية والمنفذة عن طريق حد السيف، لأصحاب الشأن والقرار، لجعل مملكتنا دوماً وأبداً أكثر إنسانية ورأفة وتمثيلاً حقاً لروح الإسلام وسماحته. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.