الرئيس التونسي لايعتزم البقاء رئيسا مدى الحياة ويقول : أنا فهمتكم .. التونسيون نجحوا مؤقتا في مطالبهم
حوار وتجديد (وكالات) أسامة سالم :
نشرت صحيفة الأخبار اللبنانية أحدث المستجدات التونسية، وتشير الصحيفة أنه بعد انتظار امتد من الصباح، أطلّ الرئيس التونسي زين العابدين بن علي مساءً ليلقي خطاباً، يمكن وصفه بأنه «استسلامي» أو «ممهّد للنهاية»، واعداً فيه بجملة من الإصلاحات الديموقراطية وإطلاق الحريّات.
غير أن الناشطين السياسيّين في البلاد اتفقوا على رفض المضمون في ظل الحريق الممتد في كل أرجاء تونس بينما كانت «تونس تحترق»، بكل ما للكلمة من معنى، ولا سيما أن احتجاجات أمس تميّزت بالنيران التي أضرمت في الكثير من المؤسسات والمتاجر التي تعود ملكيّتها لعائلتي بن علي وزوجته، خرج الرئيس التونسي زين العابدين بن علي على شاشة التلفزيون ليلقي خطاباً مسائياً، كان من المقرر أن يلقيه من على منبر البرلمان في الصباح.
غير أن بن علي فضّل الاعتصام في قصره القرطاجي، ليطلق منه جملة من الوعود أعطت لخطابه «الطابع الاستسلامي»، وسط تشكيك المراقبين في قدرته على احتواء الموقف، ما يترك لبن علي، ربما، فرصة الإطلال مرة أخرى في «خطاب النهاية»، قبل الوصول إلى موعد انتخابات عام 2014، التي قال إنه لن يترشّح إليها. «فهمتُ التونسيين»، بهذه الجملة اختار بن علي أن يستهل خطابه، معلناً أنه أعطى أوامره لوزير الداخلية أحمد فريعة بوقف إطلاق الرصاص على المتظاهرين.
وأشار إلى أنه كلف رئيس الوزراء محمد الغنوشي باتخاذ «الإجراءات المناسبة لخفض أسعار المواد والمرافق الأساسية من خبز وحليب، ورفع ميزانية الدعم». وفي محاولة للنأي بنفسه عن كل التجاوزات التي ارتكبها وأسرته وعائلة زوجته، ادّعى الرئيس التونسي بأنه «تعرض لعملية مغالطة في ما يتعلق بمجالي الديموقراطية والحريات»، قائلاً إن الأمور «لم تجر كما أرادها أن تكون»، واعداً بفتح مجال الديموقراطية والتعددية الحزبية.
وتعهد بدعم الحرية الكاملة للإعلام بكل وسائله، وعدم غلق مواقع الإنترنت، ورفض أي شكل من أشكال الرقابة عليها، «لكن مع الحرص على احترام الأخلاقيات ومبادئ المهنة الإعلامية». الخطوة الاستسلاميّة الأبرز لبن علي كانت إعلانه عدم «خرق الدستور» والترشّح إلى ولاية رئاسيّة جديدة في عام 2014.
ورغم أنه سبق أن خرق الدستور، عبر تعديله في عام 2002، حين فتح عدد مرات الترشّح، فإن الخرق الذي يجري الحديث عنه اليوم هو سنّ الرئيس، إذ تنص المادة 40 من الدستور التونسي على ضرورة أن يكون المرشح للرئاسة يوم تقديم ترشيحه بالغاً من العمر أربعين عاماً على الأقل، وخمسة وسبعين عاماً على الأكثر، وهو العمر الذي يبلغه بن علي اليوم.
رفض خرق الدستور في هذا المجال يعدّ نغمة جديدة على لسان بن علي، الذي سبق أن أطلق أصواتاً في تونس في أيلول الماضي، تنادي بتعديل هذه المادة وفتح المجال أمام ولاية رئاسيّة سادسة. غير أن ما كان متاحاً في أيلول، لم يعد ممكناً اليوم. ولذا، أعلن بن علي «أنه متمسك برفض الرئاسة مدى الحياة، وأنه سيعمل على صون دستور البلاد واحترامه، وعدم الترشّح إلى الانتخابات الرئاسية في عام 2014».
وإضافة إلى هذه التعهدات، أعلن بن على تأليف «لجنة مستقلة» للتحقيق في الأحداث والقتلى الذين سقطوا ومحاسبة المسؤولين. غير أن الكثير من المراقبين رأوا أن الخطاب جاء متأخراً، ولن يكون له أثر على حركة الاحتجاجات، التي زادت رقعتها أمس. وكان أبرز خبر تناقلته الأوساط في تونس وخارجها، أمس، هو هروب زوجة الرئيس التونسي ليلى الطرابلسي وابنتها، زوجة رجل الأعمال صخر الماطري.
وقالت أوساط تونسية لـ«الأخبار» إنّ بن علي باشر بإجلاء عائلته مخافة أن يتعرض لسيناريو شبيه بسيناريو سقوط الديكتاتور الروماني نيكولاي تشاوشيسكو. وأكدت أن مبعث خوف بن علي هو أن تزحف حشود المتظاهرين نحو القصر الجمهوري في قرطاج، وأن تساندها قطعات من الجيش، الذي رفض حتى الآن المشاركة في أعمال قمع المتظاهرين، واكتفى بحراسة المرافق العامة والهيئات الدبلوماسية.
وجرت يوم أمس وليل أول من أمس مواجهات في ضواحي العاصمة أدّت إلى سقوط ثمانية قتلى، ليزداد عدد الضحايا إلى 66 شخصاً. وأفاد مراسلو وكالات الأنباء بأنّ أصوات إطلاق النار كانت تُسمع طيلة يوم أمس، كما أضرم المحتجون النيران في مؤسسات ومتاجر تعود ملكيتها لعائلتي بن علي وزوجته. وفي مدينة الحمّامات الساحلية، أحرقت أمس منتجعات سياحية، ودُمّرت ممتلكات تعود للقطاع الخاص، أو ما بات يعرف بـ«بارونات الفساد». وقال مصدر نقابي إنّ «تونس تحترق»، ولا سيما بعدما امتدت نيران الاحتجاجات نحو مدن أخرى مثل نابل وقفصة في الجنوب.
أضاف إن وتيرة الحرق ارتفعت بصورة كبيرة أمس. واتهم ميليشيات عائدة للنظام بارتكاب أعمال النهب والحرق لتشويه صورة الانتفاضة السلمية. على صعيد آخر، انسحب الجيش أمس، جزئياً، من العاصمة التونسية، حيث تمركزت وحدات خاصة من القناصة تابعة للشرطة في وسط المدينة، بعد الأنباء التي تحدثت عن بوادر تمرد في صفوف الجيش. لكن مصادر قالت لـ«الأخبار» إن سحب الجيش اقتصر على طريق مرور بن علي بين قصر قرطاج والبرلمان في باردو، حيث كان من المفترض أن يلقي خطاباً.
وفي سياق الإجراءات التي درج بن علي على اتخاذها، أعفى أمس مستشاره عبد الوهاب عبد الله، الذي سبق له أن شغل منصب وزير الخارجية، وكذلك الناطق الرسمي باسم الرئاسة عبد العزيز بن ضياء. وتناقلت وكالات الأنباء خبر استقالة وزير الخارجية كمال مرجان، الذي تولى هذا المنصب في كانون الثاني من السنة الماضية. وتحت ضغط الاحتجاجات، استقبل رئيس الوزراء محمد الغنوشي وفداً من النقابات وأحزاب المعارضة للاستماع الى المطالب قبل خطاب بن علي.
وفي أطار ذو صلة قال الرئيس التونسي زين العابدين بن علي الذي يسعى لنزع فتيل أسوأ اضرابات اندلعت أثناء حكمه يوم الخميس أنه لن يخوض انتخابات الرئاسة مُجددا حين تنتهي فترته الحالية في 2014.
حدد ابن على ثاني رئيس لتونس منذ استقلالها الذي يتولى منصبه منذ اكثر من 23 عاما موعد رحيله في كلمة مشحونة بالعواطف عبر التلفزيون إلى الشعب بعد اسابيع من الاشتباكات المميتة بين المحتجين والشرطة.
ويقول كثير من الذين شاركوا في الاحتجاجات انهم يشعرون باستياء شديد من تفشي البطالة وغياب الحرية وشدة ثراء النخبة في عهد ابن على وكانوا يتوقعون أن يمد حكمه لولاية أخرى سادسة.
وفي حي لافايات -منطقة التسوق الرئيسية بالعاصمة- حيث اطلقت الشرطة النار في وقت سابق فأصابت محتجين تجاهل مئات من الناس حظر التجول ونزلوا الى الشوارع بعد انتهاء كلمة ابن علي. ولوح الناس بالأعلام التونسية وهتفوا "يعيش بن على" و "شكرا بن على" بينما أطلقت السيارات ابواقها.
وقال رمزي بن كريم وهو طالب عمره 22 عاما "اننا سعداء انه تحدث بلغة الشعب. ونأمل أن تصبح كل الذكريات السيئة ماضيا وأن تتاح لنا الحرية."
عقب كلمة ابن على عادت مواقع على شبكة الانترنت كانت قد حجبت منذ اسابيع ومنها موقع يوتيوب وديلي موشن. ولم يتضح بعد كيف سيكون رد الفعل على وعد ابن على بالتنحي عن الرئاسة خلال ثلاثة اعوام وهل سيحاول معارضون ارغامه على التنحي على الفور.
وليس هناك ايضا مرشح واضح لخلافة ابن على الذي هيمن على الحياة السياسية في تونس وهمش منافسيه.
وفي مدن الأقاليم الفقيرة التي كانت بؤرة حركة الاحتجاج ساد الهدوء بعد ايام من الاحتجاجات وقال احد الشهود انه في إحدى هذه البلدات وهي تطاوين نزل نحو 4000 شخص الى الشوارع للتعبير عن الابتهاج بقرار الرئيس ابن علي. ولكن ما زال هناك غضب من ابن على في بلدة قصرين مسرح بعض من اشد الاشتباكات دموية مع الشرطة.
وقال ساكن من اهالي البلدة يدعى محسن نصري بالهاتف "الناس هنا لا يمكنهم ان يفرحوا لأن بلدتنا إصيبت إصابة بالغة." واضاف قوله "هناك اشياء طيبة في الكلمة (التي القاها الرئيس) لكن كنا نتوقع اعتذارا من اجل بلدتنا."
وظهر ابن على في شاشات التلفزيون في نهاية يوم بدا فيه ان الاضطرابات بدأت تخرج من نطاق سيطرة الحكومة. وخاض المحتجون اشتباكات ضارية مع الشرطة في وسط المدينة للمرة الأولى وقال شهود ان شبانا نهبوا متاجر كبيرة في منتجع الحمامات حيث يوجد أحد مقار الرئيس ابن على. واشتدت الضغوط على ابن علي.
فقد انتقدت فرنسا المستعمر السابق لتونس بصورة لاذعة اسلوب تعامل الحكومة التونسية مع الاحتجاجات. وقال رئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا فيون اثناء زيارة رسمية الى لندن "نصر على ان تظهر كل الاطراف ضبط النفس وان تختار طريق الحوار... لا يمكن ان نستمر مع هذا الاستخدام غير المتناسب للقوة." ونصحت عدة بلدان منها الولايات المتحدة مواطنيها بالابتعاد الأمر الذي قد يعرض للخطر السياحة شريان الحياة لاقتصاد تونس.
وخلال كلمته التلفزيونية المشحونة بالعواطف بدا الرئيس ابن على البالغ من العمر 74 عاما نادما واوشك على البكاء احيانا.
وتحدث باللهجة المحلية بدلا من اللغة العربية الفصحى للمرة الاولى.
وقال مشيرا الى كبار المسؤولين انه خدع وانهم خدعوه.
وقال "أنا فهمتكم ..فهمت الجميع البطال والمحتاج والسياسي واللي طالب مزيد من الحريات فهمتكم فهمتكم الكل ... حزني والمي كبيران لاني مضيت أكثر من 50 سنة من عمرى في خدمة تونس في مختلف المواقع من الجيش الوطني الى المسؤوليات المختلفة و23 سنة على رأس الدولة."
واضاف انه لا يعتزم البقاء رئيسا مدى الحياة وانه لن يعدل الدستور الذي ينص على انه لا يحق لشخص تجاوز سن الخامسة والسبعين الترشح للرئاسة. ويبلغ ابن علي حاليا 74 عاما وكان من المتوقع على نطاق واسع ان يجري تعديلات دستورية بما يسمح له بالترشح لولاية جديدة. وقال في كلمته انه قال في عام 187 انه لا رئاسة مدى الحياة وانه يكرر الآن لا رئاسة مدى الحياة وانه يرفض المساس بالدستور.
وأمر ابن علي قوات الأمن بالكف عن استخدام الرصاص الحي ضد المحتجين وقال إنه سيتم خفض أسعار السكر والحليب والخبز. ووعد بحرية الصحافة وعدم حجب مواقع الانترنت التي دأبت على انتقاد حكومته. وتراقب الدول العربية عن كثب الاحتجاجات في تونس خشية امتداد الاضطرابات الاجتماعية إليها لا سيما بعد ارتفاع أسعار الغذاء العالمية.
ويشير العدد الرسمي للقتلى المدنيين في الاحتجاجات هو 23 شخصا لكن شهودا قالوا لرويترز يوم الأربعاء إن خمسة آخرين قتلوا. وقالت الأمم المتحدة إن جماعات معنية بحقوق الانسان تقدر عدد القتلى بنحو 40. وتقول الحكومة إن الشرطة لم تطلق النار إلا دفاعا عن نفسها حين هاجمها مثيرو شغب بالقنابل الحارقة والعصي. وتقول إن أعداد القتلى التي تعلن عنها الجماعات المعنية بالحقوق مبالغ فيها.
تم إضافته يوم الجمعة 14/01/2011 م - الموافق 10-2-1432 هـ الساعة 11:54 صباحاً