ازداد التوتر فلسطينيا على جبهتي القتال والحوار، ميدانيا في غزة مع القوات الإسرائيلية وسياسيا بين فتح وحماس. وقد استغلت إسرائيل الانشغال العالمي بالانتخابات الأميركية لتخرق بشكل فظ التهدئة في قطاع غزة وتنفذ أول توغل بري منذ قبل شهور مما دفع فصائل المقاومة للرد باستهداف المستوطنات المحاذية بقذائف الهاون والصواريخ. وتراجع التفاؤل بإمكانيات الاتفاق فلسطينيا حول الورقة المصرية »معدلة«، وحامت شكوك حول انعقاد المؤتمر في موعده المقرر أصلا في القاهرة. وفي وقت متأخر من مساء أمس تجاوبت القاهرة مع اعتراضات من جانب حماس وفصائل أخرى لتسهيل عقد المؤتمر.
وكانت غزة، مساء أمس، على موعد جديد من الاعتداءات الإسرائيلية، حيث استشهد مقاوم من حركة الجهاد الإسلامي في غارة جوية على منطقة تل الزعتر شمالي القطاع.
وأشارت وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى أن وزير الدفاع إيهود باراك امر بعملية التوغل على أرضية أن التهدئة بند مطروح على جدول أعمال مؤتمر الحوار الفلسطيني، وعلى مصلحة جهات فلسطينية في المحافظة عليها. وهكذا فإن قرار اقتحام الحدود بحجة تدمير نفق قد يقود إلى موقع حدودي إسرائيلي اتخذ بناء على مراهنة بأن رد الفصائل الفلسطينية وحركة حماس على وجه الخصوص سوف يكون محدودا.
وقد عزز لاحقا هذا المنطق موقف الناطق باسم
كتائب القسام »أبو عبيدة«، الذي قال إن »هذا التوغل بداية لنهاية التهدئة إذا تمادى الاحتلال في هذا«. ودعا »أبو عبيدة« الوسيط المصري إلى أن يثبت انه قادر على حماية هذا الاتفاق. وقال »نحن لا نتهافت على اتفاق التهدئة، فنحن ندرك أنّ العدو الصهيوني عاجلاً أم أجلاً سوف يخرق هذا الاتفاق، لكن إذا كانت مصر معنيّة بهذه التهدئة فأين ضغطها على الاحتلال؟«.
ولكن مع ظهور التوتر من جديد في العلاقة الفلسطينية الداخلية، وربما علاقة حماس مع مصر تزايدت التهديدات بشأن مصير التهدئة. فقد اعتبر القيادي في حماس إسماعيل رضوان أن التهدئة باتت في مهب الريح وأن حماس سترد على كل الاعتداءات. وشدد رضوان على أنه »إذا قرر العدو مغادرة مربع التهدئة فلن نكون آسفين عليها«. وبدا جليا أن هناك عودة لاستخدام التعابير المتوترة، حيث رد على ترحيب الرئيس الفلسطيني محمود عباس بفوز أوباما ودعوته له بتسريع عملية السلام بأن على عباس أن يكتم صوته النشاز.
ويبدو أن حماس اختارت لمواجهة الأزمة الجديدة في الحوار الداخلي الفلسطيني أسلوب الهجوم من الأجنحة والأطراف. فإضافة إلى تصريحات رضوان أعلن القيادي فيها الشيخ يوسف فرحات عن عوامل تبعث على التشاؤم من نجاح الحوار. وعدد فرحات في تصريحات نقلها موقع »فلسطين الآن« التابع لحماس هذه العوامل، وبينها »الصراع داخل حركة فتح، والممارسات الإجرامية التي تقوم بها الأجهزة الأمنية ضد حماس، والموقف المصري المنحاز لصالح حركة فتح«. وأشار فرحات إلى »وجود تذمر من الموقف المصري بسبب الإرادة المصرية التي تريد فرض الورقة المصرية فرضاً على الفصائل«.
ويبدو أنه بعد عودة وفد حماس برئاسة موسى أبو مرزوق ومحمود الزهار من القاهرة إلى دمشق وغزة، ونتيجة المداولات الداخلية تصلب موقف هذه الحركة من الورقة المصرية. وقد حمل الوفد إلى القيادة في دمشق وغزة المقترحات المصرية والتي سبق لـ»السفير« أن نشرتها، وملخصها عقد اجتماع احتفالي في العاشر من الشهر الجاري بحضور رسمي فلسطيني وعربي.
وبموجب الخطة فإن الكلمات التي ستلقى، إضافة لرئاسة الوفد المصري، ستكون لعباس ووزراء الخارجية العرب الستة الذين سيحضرون. وبعد ذلك ستقرأ الورقة المصرية بعد أن يكون قد تم تعديلها في اجتماع عمل يعقد في التاسع من الشهر الحالي. وتتحول الورقة المصرية بعد التعديل إلى مجرد إعلان مبادئ عمومي بالتوافق. وبعد ذلك يتم الاتفاق على تشكيل اللجان التي ورد ذكرها في الورقة المصرية على أن تجتمع في الأسبوع الأخير من تشرين الثاني.
وقد فهم المصريون من وفد حماس أن هناك قبولا ولو متحفظا بالخطة إلا أن الأمر تغير لاحقا. إذ اتصل مسؤولون من حماس بالطاقم المصري وأبلغوه بوجود اعتراضات داخلية جدية وتحديدا حول مكانة الرئيس عباس في المؤتمر. ورغم أن حماس لم تعرض بدائل مقبولة من المصريين الذين يرفضون التعامل مع عباس كزعيم لحركة فتح، فإن هذه البدائل جاءت من أطراف حليفة لحماس.
وهكذا، فإنه بعد اجتماعات واتصالات بين عدد من القوى في دمشق، وفي مقدمتها حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية ـ القيادة العامة والصاعقة، تبلورت نوعية الاعتراض. فقد رأت غالبية هذه الفصائل أن الحوار في القاهرة لم يعد مصالحة بل تحول إلى مناسبة احتفالية لالتقاط صورة. واتصل على الأقل مسؤول من القيادة العامة بالطاقم المصري يبلغه الاعتراضات على ترؤس أبو مازن الحوار وعدم بقائه للمشاركة في الجلسات.
وقد أثار هذا الموقف غضب الطاقم المصري الذي بادر للاتصال بجهات فلسطينية للوقوف على رأيها. ويبدو أنه إذا جرى الإصرار على الاكتفاء بكلمات الضيوف العرب وكلمة عباس، فإن هناك احتمالا بألا تذهب حماس للحوار في القاهرة. وقد طرحت أفكار ترى بتعويض حماس عن ذلك بمنح رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل حق إلقاء كلمة في الافتتاح، والعمل على إبقاء الرئيس عباس في المداولات أطول فترة ممكنة.
وعلمت »السفير« أنه إثر مداولات مصرية في هذه الاعتراضات ، تقرر أن يكون لمشعل كلمة في الافتتاح، وأن تعمل مصر على بقاء الرئيس عباس للمشاركة في المداولات. وإذا لم تظهر مشاكل جديدة فمن المؤكد أن تعقد جلسات الحوار في القاهرة في موعدها المحدد.
وليس من المستبعد أن يكون لهذا التوتر أثر في عقد اجتماع بين نائب الرئيس السوري فاروق الشرع ومشعل، الذي قال في ختام اللقاء: » لقد ناقشنا مع الشرع الوضع الفلسطيني بشقيه الداخلي والحوار المرتقب والعلاقة مع العدو الصهيوني في ظل التصعيد أمس في غزة. كما أن مناقشتنا معه تطرقت إلى الوضع العربي والدولي ومستجداته
تم إضافته يوم الخميس 06/11/2008 م - الموافق 8-11-1429 هـ الساعة 4:17 مساءً