حوار وتجديد - متابعات :
تطل أحداث غزة على طريقة إحتفال السعوديين هذا العام بليلة رأس السنة الميلادية. فالمعتاد أنهم يتسمرون أمام شاشات التلفزيون في المقاهي أو المجالس الخاصة، لاختيار السهرة الأفضل من بين العشرات التي تنقلها بشكل مباشر القنوات الفضائية، إلا أن المؤشرات والحالة النفسية قد تجعلهم لا ينتقلون من القنوات الإخبارية حتى يمكنهم متابعة عملية الإبادة الجماعية للأرواح مع ولادة عام 2009.
المعتاد أن هناك من يتقبل التهاني ويرد عليها بمثلها أو أحسن منها، عقب إعلان ساعة الصفر وبدء العام الجديد، فيما يتمسك الجانب الآخر بالاستمتاع بالمشاهدة دون تقبل أو توجيه التهاني، وذلك خوفا من الوقوع في المحرم بحسب فتاوى دينية شديدة اللهجة تنهى عن ذلك وتدرجه ضمن قائمة الأعمال المؤثرة على صحة العقيدة، وهي فتوى توزع على نطاق واسع بالسعودية، في المساجد والمحال التجارية وعبر البريد الإلكتروني ورسائل الجوال، وتنشط جدا مع قرب بداية كل عام جديد.
احتفال مدني
ومع ذلك يبدو أن الطابع العالمي للاحتفال السنوي يستعد لأخذ موقع أكثر أهمية في المجتمع السعودي، خاصة مع وجود ملايين الأجانب في المملكة، يعد الاحتفال برأس السنة من المناسبات الأساسية بالنسبة لهم. إلى جانب سعوديين أقاموا خارج الوطن لسنوات عايشوا فيها لحظات الأمل التي اعتادت شعوب العالم على إظهارها في اليوم الأخير، من وداع كل عام لاستقبال آخر بقلوب سعيدة وموائد فاخرة.
يقول د.فهيد الحماد، أستاذ اللغة الألمانية بكلية اللغات، بجامعة الملك سعود: "أنا لا اعلم ما هو سبب الموقف المتشدد جدا من الاحتفال برأس السنة وهو احتفال مدني له صبغة عالمية وطابع اجتماعي مميز في كل دول العالم".
ويضيف "من الغريب أن يحرم على الشخص أن يشارك زوجته الأجنبية أو أصدقاءه في العمل المهتمين بالعام الجديد وممن بادلوه التهاني في أعياده الدينية، وأن يرد لهم الجميل في مناسبة تحتفل بها جميع شعوب الكرة الأرضية بمختلف ثقافاتهم، بما في ذلك الدول الشيوعية قديما لإقرارهم بتجردها من أي طابع آيدلوجي".
ويطالب الحماد بالتعامل مع الموضوع كاحتفال عالمي يحاول زرع الأمل في قلوب البشر ومد جسور التواصل بينهم.
ومع أن التقويم الرسمي للسعودية هو التقويم الهجري المعتمد على السنة القمرية، والذي لا يحوي في أجندته السنوية أكثر من عيدين، هما الأضحى والفطر المباركين، ولا يحتفل بنهايتها أو بدايتها، أو حتى بميلاد مؤسسها رسمياً، تجد الشركات الأجنبية العاملة في السعودية قد تضاعفت أمامها الأعياد، وذلك لاضطرارها للتعامل مع التقويمين (الهجري والميلادي)، حيث إن الأول هو المعمول به في الجهات الحكومية، والثاني هو المعمول به في القطاع الخاص كالبنوك والشركات.
شركات محدودة تمنح إجازة رأس السنة
وعن هذا الوضع الذي يختص به المجتمع السعودي يقول وليد الشاهد، مدير خدمات العملاء بشركة "أمباكت نوفيلي" للعلاقات العامة: هناك عدد قليل جدا من الشركات العاملة في السعودية التي تمنح إجازات لموظفيها بمناسبة رأس السنة وهناك أخرى تقيم احتفالات بهذه المناسبة لمنسوبيها فقط بشكل بسيط ومغلق دون توجيه دعوات خارجية أو توقف أيام العمل احتراما لثقافة البلد والشعور العام.
ويضيف الشاهد: بالنسبة لنا كشركة علاقات عامة في السعودية فإن أيام أعيادنا ضعف المعمول به عالميا، ففي الأعياد الإسلامية (الأضحى والفطر) نرسل إلى جميع عملائنا وشركائنا في المملكة بطاقات التهنئة ونفس الأمر في الأعياد الميلادية التي باتت جزءا من ثقافة عالمية تشترك فيها المجتمعات إضافة إلى بداية العام الهجري الذي يعقب عيد الأضحى المبارك وبعض المناسبات كاليوم الوطني.
في الأسواق السعودية تحترز معظم المحلات التجارية في هذه الأوقات من إبراز كل ما يتعلق بقرب نهاية السنة كبطاقة التهنئة الفصلية أو الزينة التي من الممكن أن تستخدم لإعداد شجرة الـ "كرسماس" وهو الاحتفال بعيد ميلاد المسيح، الذي يسبق رأس السنة بأسبوع، وذلك بعد تجارب مع هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يقوم بعض أفرادها بمصادرة بطاقات التهنئة والزينة أو دمى سانتا كلوز (بابا نويل) الذي بدأ يتسلل إلى الأسواق السعودية منذ عدة سنين يختفي فيها دوما مع قرب نهاية السنة بأسابيع، وهو ما يحدث للورود الحمراء في يوم عيد الحب "فالنتاين داي" لموقف مطابق من قبل رجال الحسبة في المملكة.
ارتفاع الطلب على الهدايا
يقول فيصل جامو وهو جنوب أفريقي يدير معرض "مناسبات" بمدينة الرياض المتخصص ببيع الهدايا الرومانسية والتغليف الفاخر إنه مع قرب نهاية العام يتزايد زوار معرضه بحثا عن الهدايا أو التغليف وأغلبهم أجانب.
أما عن بطاقات التهنئة برأس السنة فيقول فيصل: "أنا لا أفضل عرضها في المحل" ويرجع فيصل ذلك لسببين: الأول أنها قد تكون سببا في الإزعاج والمشكلات مع بعض الزوار، والآخر أن مالك المحل متدين وله مواقف معارضة من بيعها. إلا أنه يؤكد "عدم وجود قانون يمنع بيعها في السوق السعودي".
ويقول انتونيو براد العامل في إحدى اكبر المكتبات السعودية، إنهم يعملون حاليا على تصفية جميع البطاقات الموجودة لديهم ومن بينها بطاقات لأعياد الميلاد الشخصية والتخرج والتهنئة بالشفاء بعد كثرة المشكلات التي سببتها له.
مراقبة الحفلات الغنائية فضائيا ليس كل ما يفعله الشباب السعودي في رأس السنة، خاصة مع اختلاف اهتماماتهم ودرجات تحفظهم على الموضوع. فهناك من يحاول المشاركة في تنظيم بعض الحفلات الموازية لما يعرض فضائيا داخل السعودية في المجمعات والاستراحات الخاصة، وآخرون يحزمون أمتعتهم عابرين بها البحار والمحيطات لحضور حفلات رأس السنة، في دول عرف عنها اهتمامها بهذا النوع من الأعياد.
ويوجد فريق ثالث يعارض دون نقاش فكرة تقبل التهنئة بمناسبات أو أعياد الآخرين، لأسباب دينية، وينشط هذا الفريق في توزيع رسائل الجوال والبريد الإلكتروني للتحذير من المشاركة فيها، قولاً أو فعلاً.
تفاعل سعودي
يقول عبد الله بادي 25 عاما والذي يعمل مهندسا للأجهزة الطبية في وزارة الصحة السعودية انه يجد حرجا كبيرا عندما يتمنى له بعض زملائه عاما سعيدا بعد انصرام السنة الميلادية، ويضيف عبد الله لا اعرف كيف يمكن لي أن أرد عليه دون أن اجرح شعوره، وأوضح له أن الموضوع لا يعنيني، ويتابع: مما يجعلني في معظم الأحيان أتجاهل تمنياته، وأغير مجرى الحديث وذلك خوفا من أن يحمل ردي عليه نوعا من الإقرار والمشاركة في الخطأ ويضيف عبد الله: "عام سعيد" من الكلمات المحرجة لي وعادة ما تسبب لي المتاعب مع أصدقائي وزملائي في العمل.
في الاتجاه المضاد يؤكد محمد الربيع، الذي يدير قسم الأغذية والمشروبات في أحد فنادق الخمس نجوم بمدينة الرياض إنه يجد صعوبة كبيرة في تلبية الطلبات الخارجية، وإقامة الحفلات التي تقام في الرياض بمناسبة رأس السنة.
وتأتي الطلبات بحسب حديث الربيع من الشركات والسفارات وبعض الأسر السعودية ويقول: نحن نسجل الاتفاقات قبل المناسبة بعدة أسابيع بعكس الأيام الأخرى التي يمكن أن نستعد لها ولو في اللحظات الأخيرة من المناسبة.
وفي نفس الاتجاه الذي يؤكد وجود تفاعل سعودي مع رأس السنة الشمسية يقول سعيد مبشر المستشار السياحي لمكاتب "كانو" للسفريات، ان الحركة السياحية تنشط في هذه الفترة من كل عام وذلك يعود لسببين: الأول هو أن الكثير من الأجانب المقيمين في السعودية يختارون هذه الأوقات للعودة إلى موطنهم للاحتفال مع أسرهم، أو الاحتفال بها في إحدى الدول المجاورة.
واما السبب الثاني فيقول مبشر: إن بعض السعوديين اعتادوا سنويا على السفر لحضور حفلات رأس السنة، ويفضلون بعض جزر ودول شرق آسيا والدول العربية كوجهات رئيسة في جميع المواسم.
وفي مناسبة رأس السنة فإن لبنان تعد المحطة المفضلة لهم، وذلك لما تقدمه من خيارات عديدة وبميزانيات معتدلة، إضافة إلى أن الشوارع والمباني التي تزين خصيصا لهذه المناسبة تكسر الروتين وتميز الرحلة، إلا أن المستشار السياحي يؤكد أن السعوديين فضلوا هذا العام المغرب وشرم الشيخ والقاهرة هذا، خوفا من الأوضاع السياسية المتوترة في بيروت.
فتاوى تمنع تبادل التهاني
تبقى الإشارة إلى أن بعض الفتاوى الخاصة برأس السنة قد تكفر من يبارك أو يتبادل التهاني برأس السنة معتمدة على آراء فقهاء كبار وعلماء من السلف لهم مكانتهم الدينية تحت أي شعار ولأي سبب، دون تفريق بين أعياد الميلاد ومناسبة رأس السنة، وهو ما يطالب الشيخ زكي المفكر الإسلامي السعودي بمراجعته والتحذير منه مشددا على أهمية الفصل بين أمرين.. المضمون الديني للمناسبات والمضمون الاجتماعي لها.
ففي كثير من الأحيان تكون طريقة تعاطي الناس مع هذه المناسبات تحت باب المجاملات الاجتماعية وليس العقائدية. ويقول الميلاد: معظم المدارس الإسلامية لا تتعامل مع قضايا الأعياد الأخرى بهذه الحدة، فصحيح أن هناك عيدين في الإسلام هما الفطر والأضحى يتميزان بأحكام وتقاليد خاصة بهما في ديننا الإسلامي، ولا ثالث لهما، ولكن وجود مناسبات أخرى يطلق عليها اسم عيد يكون لها احترام وتقدير كالعيد الوطني أو رأس السنة، لا تعد من المحظورات المخرجة من الملة، خاصة ان التسامح من أهم سمات الإسلام وأن تبادل التهاني في الأعياد قد يكون أفضل الطرق للتواصل مع الآخر لبداية التحاور وكسب ثقته وكسر الحواجز والممانعات النفسية، أو ما يسمى شرعيا (تآلف القلوب).
ربما يبدو العديد من المدن السعودية غير مهتمة بآخر ساعات يوم 31 ديسمبر من كل عام، وهو انطباع قد يتعزز كثيرا لمن لا يستطيع أن يتخيل ما يحدث مثلا في مدينة كالرياض، تبلغ مساحتها ثلاثة أضعاف دولة سنغافورة، ويسكنها ما يقارب الخمسة ملايين نسمة تختلف مللهم واهتماماتهم وجنسياتهم، ويجمع بينهم أمل واحد بأن يكون العام الجديد سعيدا ولو رفض البعض التصريح بذلك .
المصدر : العربية نت