الكاتب حبيب الطرابلسي : الحرية بدأت تثمر .. 'بوادر تنويرية' في المؤسسة الدينية السعودية
حوار وتجديد (متابعات) صقر السالم :
بدأ السجال التقليدي بين الليبراليين والإسلاميين حول بعض القضايا الاجتماعية، مثل الاختلاط وقيادة المرأة للسيارة، ينتقل إلى المؤسسة الدينية ذاتها في المملكة العربية السعودية التي شهدت في الصيف الماضي جدلاً حاداً حول السماح بالعروض السينمائية حسمته وزارة الداخلية بإلغاء المهرجان السينمائي الوحيد في المملكة، موجهة بذلك ضربة لآمال الإصلاحيين في تخفيف سيطرة التيار المحافظ في المجتمع السعودي.
وكان الدكتور أحمد بن قاسم الغامدي المدير العام لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في منطقة مكة المكرمة، أحدث زوبعة في الأوساط السعودية بتصريحات في ديسمبر/كانون الأول الماضي لصحيفة "عكاظ"، أجاز فيها الاختلاط بين الرجال والنساء.
فقد قال إن "مصطلح الاختلاط الذي أثار الجدل بعد تدشين جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية لم يُعرف عند المتقدمين من أهل العلم، لأنه لم يكن موضوع مسألة لحكم شرعي كغيره من مسائل الفقه، بل كان أمراً طبيعياً في حياة الأمة ومجتمعاتها".
واعتبر الغامدي، الذي يعد أحد كبار قياديي جهاز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أن "الممانعين له يعيشونه واقعاً في بيوتهم، التي تمتلئ بالخدم من النساء اللواتي يخدمن فيها، وهي مليئة بالرجال الغرباء، وهذا من التناقض المذموم شرعاً"، واصفاً القائلين بتحريم الاختلاط بأنهم "قلة لم يتأملوا أدلة جوازه (...) فالاختلاط لم يكن من منهيات التشريع مطلقاً، بل كان واقعاً في حياة الصحابة".
وأثنى العديد من الكتاب الليبراليين على الشيخ الغامدي.
واعتبر الكاتب الصحفي حمود أبو طالب هذه التصريحات "تحولاً جذرياً في قضية الاختلاط التي خلقت أزمة وجدلاً مستمراً أضاع الكثير من الوقت".
أما الكاتب محمد آل الشيخ فقد بين كيف أن قضية منع الاختلاط "تسببت في كثير من التعطيل وجعلت كفاءات نسائية عالية التأهيل إما لا تعمل أو تعمل بحذر في جو مشحون بالتوجس وألغام الريبة".
وفي المقابل، انتقد آخرون تصريحات الشيخ الغامدي وفندوا الأدلة التي ساقها في تبيان مشروعية الاختلاط.
واعتبرها الشيخ محمد المنجد "مسألة خطيرة وافتراء وتجني على الشريعة"، مستشهدا بأقوال المفتي السابق للمملكة الشيخ عبد الله بن باز.
و اعتبر الداعية عبد الرحمن الأطرم أن توقيتها "غير مناسب نظرا لما تمر به البلاد من أحداث جسام مثل قتال الحوثيين وكارثة جدة".
وامتد الجدل خارج المملكة بإصدار علماء ودعاة كويتيين بياناً ينتقد فتواه بشدة ويصفها بالشاذة.
وأفادت مصادر داخل الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن الرئيس العام للهيئة، الشيخ عبدالعزيز بن حمين الحمين، أصدر قرارا بإعفاء احمد الغامدي من منصبه وتعيين الشيخ عبدالرحمن الجهني، رئيس هيئة الطائف، مكانه.
أحمد بن باز يتمرد على والده ويفتي بأحقية المرأة في قيادة السيارة
ونشر الشيخ أحمد بن باز، بن المفتي السابق، في وقت سابق هذا الشهر مقالاً في صحيفة "الوطن" بعنوان "قيادة المرأة السيارة قضية حقوق لا قضية أولوية"،حيث يعتبر أن "قضية القيادة هي قضية حقوقية بالدرجة الأولى تُشبه الكثير من قضايا المرأة لدينا، والحديث فيها ينطلق من حقوق الإنسان التي أعطاه إياها الإسلام كحق التملك وحرية التنقل وهي مبدأ من مبادئ الحرية الأصلية - غير المكتسبة، والحقوق ليست ترفاً ولا تمنح ولا يمكن التصويت عليها".
وأضاف الباز "أما من منع قيادة المرأة السيارة من مشايخنا الفضلاء في السابق فهو لاعتبارات لا أظنها موجودة الآن أو يمكن مناقشتها وإعادة النظر فيها".
وفي تصريح لقناة "العربية" الاثنين، قال الباز، وهو باحث في الشؤون الإسلامية، إن فتوى والده القديمة في هذا الأمر "رأي اجتهادي قابل للنقاش لأنها مسألة في دائرة المباحات، ولا دليل شرعياً عليها".
و قد أثار المقال المئات من التعليقات والتي جاءت في أغلبها مؤيدة للشيخ الباز ومطالبة بسن "قرار رسمي يعدل هذا الوضع الغريب".
وقالت غادة إبراهيم "يوجد في السعودية أكثر من مليون سائق أجنبي بحسب إحصائية وزارة العمل. أليس الأولى ترحيل هؤلاء الأجانب وتسليم دفة القيادة للمرأة التي أثبتت جدارتها في الطب والتمريض والتدريس؟".
وتشاطرها الرأي نوف خالد مشيرة إلى "الرقم الفلكي المليوني لجيوش السائقين البنغاليين والباكستانيين والفلبينيين، والذي تبلغ تحويلاتهم النقدية لبلدانهم مليارات الريالات تستنزف من الاقتصاد للوطني، بحجة خصوصية المجتمع السعودي المفرطة وباسم حرمة المرأة وستر عورتها".
فيجيب أبو ياسر "القضية واضحة ولا تحتاج لإقناع.عندنا عقول مغلقة لا تقبل التغيير"، مضيفاً "قيادة السيارة لا محالة منها وسيصدر الأمر بها.المسالة مسألة وقت".
الحرية أثمرت
وفي مقال نشر بصحيفة "الحياة" الأحد، بعنوان "من الغامدي إلى الباز"، يعتبر داود الشريان، وهو من الكتاب الصحفيين المتمرسين، أن الحرية التي أُتيحت للصحف خلال السنوات الخمس الماضية في تناول مثل هذه القضايا أثمرت، وأدخلت النقاش إلى ساحة المؤسسة الدينية ذاتها.
ويضيف الكاتب أنها "المرة الأولى التي يجرى تناولها من أشخاص محسوبين على المؤسسة الدينية. فالشيخ أحمد بن باز هو نجل مفتي السعودية السابق (...) الذي كان له رأي معروف في تحريم قيادة المرأة السيارة. أما الدكتور احمد الغامدي، فهو يعمل في أكثر المؤسسات الدينية تشدداً في البلد، بل إن أساس عملها اليومي هو منع الاختلاط ومحاربة مظاهره بشتى الطرق".
ويؤكد "هذا يعني أن النقاش في القضايا الاجتماعية التي تتقاطع مع الدين دخل مرحلة مهمة في السعودية (...) وهو أمر جوهري، وسيكون له تأثير إيجابي على تطور المجتمع".
لكن أحد القراء يجيبه متسائلاً "ما هذه الانتقائية؟. الاحتفاء بآراء أحمد الغامدي دون غيره من رجال الهيئة، هل يرجع إلى أنه ما يريده الليبراليون؟".
"معركة السينما" تنذر بفشل "النبضات التنويرية"
ورغم أن التيار الليبرالي، الذي يمثله مثقفون ورجال أعمال وصحفيون، سجل بعض النقاط في حربه ضد المؤسسة الدينية، أحد أعمدة النظام والتي تمثلها أساسا "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، منذ وصول الملك عبد الله إلى سدة الحكم في 2005 و الذي يسهر على تقديم السعودية كدولة متفتحة ومتسامحة، إلا أن التيار المتشدد، المساند من النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية، الأمير نايف بن عبد العزيز، كان له دائماً الكلمة الأخيرة.
وقد تجلى ذلك بوضوح في "معركة السينما" التي يقود جزءا منها الأمير الوليد بن طلال، احد أثرى أثرياء العالم وقريب الملك عبد الله.
فبعد العرض التاريخي لفيلم "مناحي"، وسط إقبال جماهيري كبير ومعارضة شديدة من المتشددين الذين يعتبرون السينما والموسيقى وكل الأشكال الأخرى للتسلية مسيئة للإسلام، حسم الأمير نايف المعركة بإلغائه المهرجان السينمائي الذي كان من المقرر افتتاحه بعد ساعات قليلة في جدة.
وقد فجر القرار سيلاً من المديح لـ"النائب الثاني" ووابلاً من التنديد بـ"أصحاب الفكر الضال العلماني" على مواقع مقربة من "التيار الإسلاموي المتشدد"، فيما التزمت الصحف المحسوبة على "التيار التنويري" الصمت وخلت من أي مقال عن أسباب منع تنظيم المهرجان، ولم يجرؤ أحد على انتقاد القرار، بعد أن تطرقت للحدث الأبرز طوال أسبوع وأفردت له الزوايا، وتحدثت عن بعض الأسماء المشاركة بإسهاب.
تم إضافته يوم الخميس 21/01/2010 م - الموافق 6-2-1431 هـ الساعة 3:22 مساءً
بقد لفت نظري عنوان المقال ( الكاتب حبيب الطرابلسي : الحرية بدأت تثمر .. 'بوادر تنويرية' في المؤسسة الدينية ) .
فاحببنا ان نفهم معنى ماهي البوادر التنويرية ومعناها حتى نقع في تلبيس ابليس كما يدعب الكاتب هداه الله وغيرهم على فهمهم القاصر ونترككم مع الموضوع :
متابعة للحلقات التي نشرتها بعنوان " ثقافة التلبيس " على هذا الرابط : http://saaid.net/Warathah/Alkharashy/m/thkafa.htm
هذه الحلقة عن مصطلح يكثر استخدامه والوصف به في كتابات الليبراليين المعاصرين ( الملتحين وغير الملتحين ! ) ، هو مصطلح " التنوير " ، وهو مصطلح جذاب وبراق ؛ كغيره من المصطلحات المشتركة ، حمالة الأوجه ، التي تُستخدم لتمرير الأفكار ( بنوعيها ) ، فالمحق يعني بها حقًا ، والمُبطل يعني بها باطلا ؛ قال شيخ الإسلام : ( قد قيل : أكثر اختلاف العقلاء من وجهة اشتراك الأسماء ، وكثيرٌ من نزاع الناس فى هذا الباب هو من جهة الألفاظ المجملة ، التي يفهم منها هذا معنى يثبته ، ويفهم منها الآخر معنى ينفيه ) ( الفتاوى : 12/552 ) .
وهذه نقولات عن بعض العَلمانيين العرب عن هذا المصطلح ، والقصد منه ؛ ثم أتبعها بما يجليها من كلام أهل الحق - إن شاء الله - :
يقول د / عاطف العراقي في كتابه " العقل والتنوير " ( ص 14 ) : ( قد لا أكون مبالغاً إذن إذا قلت بأننا الآن في أمس الحاجة إلى السعي نحو التنوير الثقافي، التنوير الذي يقوم على تقديس العقل ، والإيمان بأن الثقافة الخالدة، إنما هي الثقافة الإنسانية التي تتخطى حدود الزمان والمكان ، وبحيث تتحرر من العادات والتقاليد والرجعية ، وتنطلق ساعية إلى تحقيق سعادة الإنسان، بما تتضمن من آداب وعلوم وفنون سامية رفيعة ، وعن طريق التنوير نستطيع إرساء نظام ثقافي عربي جديد. إن أوروبا لم تتقدم إلا عن طريق السعي بكل قوتها وابتداء من عصر النهضة نحو تحقيق مبدأ التنوير ، وبحيث وجدنا ثقافة أوروبية جديدة، تختلف في أساسها ومنهجها عن ثقافة العصور الوسطى ) .
ويقول د / عبدالرزاق عيد ، في كتابه " أزمة التنوير " ، ( ص 5 ) : ( إن الخطاب التراثي المحدَث انكب يصفي الحساب مع كل قيم التنوير التي أنتجها الزمن النهضوي، من خلال تجريمه، وتأثيمه، وتخوينه، بوصفه زمناً استعمارياً، زمن التشوه الذاتي والغزو الثقافي، ونزعم أنه لم ينتج وعياً مطابقاً بزمنه، بل طرح إشكالات غريبة عن واقع المجتمع العربي، حيث الهجانة، والإصلاحية، والقصور، وبلغ الأمر حد تخوين الإمام محمد عبده واتهامه بوطنيته... ) .
ويقول د / مراد وهبة في كتابه " مدخل إلى التنوير " ، ( ص 7 ) : ( إن ثمة فجوة حضارية بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة ليس في الإمكان عبورها من غير مرور بمرحلتين : إحداهما : إقرار سلطان العقل ، والأخرى : التزام العقل بتغيير الواقع لصالح الجماهير. بيد أنه ليس في الإمكان تحقيق هاتين المرحلتين من غير مرور بعصرين: عصر الإصلاح الديني الذي حرر العقل من السلطة الدينية، وعصر التنوير الذي حرر العقل من كل سلطان ما عدا سلطان العقل ) .
وقال ( ص 18-19 ) : ( الرأي الشائع والمألوف أن القرن الثامن عشر هو عصر التنوير، وهو عصر من صنع "الفلاسفة" وهو لفظ يُكتب دائماً بالفرنسية دلالة على أن التنوير، وإن كان ظاهرة أوروبية على الإطلاق، فهو ظاهرة فرنسية على التخصيص. وإن كان "الفلاسفة" قد مجدوا العقل، مثل اليونانيين، إلا أنهم تميزوا بفصل الفلسفة عن الميتافيزيقا التقليدية. فالعقلانية القديمة لم توفق في الربط بين العقل والحياة اليومية، ومن ثم انفصلت عن الوقائع العينية للحياة الحقيقية. وإذا كان التنوير معتزاً بأن يكون هو "عصر الفلسفة" ، فالفلسفة هنا، ليست هي الفلسفة بالمفهوم التقليدي، وإنما هي رؤية وضعية لنسق العالم، ولأنحاء الوجود الإنساني، فتؤسس العلوم والفنون على مبدأ العلية دون مجاوزة هذا العالم، ومن ثم يهتم الفيلسوف بالحياة في هذه الدنيا، وليس بالبحث عن الحقائق الأزلية، فيربط بين العقل والوقائع العينية. وقد تأثر فلاسفة التنوير بمفكرَين عظيمين هما: لوك ونيوتن ) .
ويقول ( ص 30 ) : ( خلاصة القول : إن مهمة التنوير الأساسية لم تكن معرفة طبيعة الإنسان، وإنما تغيير المجتمع من أجل تغيير سلوك الإنسان، على أسس عقلانية ومادية ) .
قلتُ : هذه مجرد نماذج من كلامهم تبين المقصود ، وأنه مجرد استنساخ لما حصل في الغرب بعد تسلط الدين المحرّف " الكنيسة " ، ثم الثورة عليه بعد تمهيد من يُسمون فلاسفة التنوير لذلك ، وإحلال الأفكار الوضعية محله ، والاهتمام بعلوم الدنيا . ( كان هذا في فترة سابقة ، أما الآن فعاد كثيرٌ منهم للدين – ولو كان محرفًا - ) . ولتف6اصيل ما حصل في الغرب يُنظر كتاب الشيخ سفر الحوالي " العَلمانية " ، على هذا الرابط : http://www.lebraly.com/inf/mobiles.p...stmobiles&id=2
قال الدكتور محمد يحيى: ( التنوير مصطلح يطلق في الفكر الغربي على مجموعة واسعة من الكتابات ظهرت بدءاً من أواسط القرن الثامن عشر الميلادي وإلى نهايته في أوساط الفلاسفة والمفكرين في فرنسا أساساً، ثم إلى درجة أقل في بريطانيا وألمانيا. وهذه الأفكار ظهرت وسط بيئة متشابكة من ردود الأفعال على الحكومات والطبقات المستبدة ( الملكية ) في تلك الحقبة، وعلى الأفكار الكنسية المصاحبة لها والمعضدة لها، كما ظهرت متأثرة بنضوج الفكر العقلاني ( كما أسموه ) الراجع بجذوره إلى عصر النهضة الأوروبية والمزدهر في القرنين السابع عشر والثامن عشر كذلك. وظهرت تلك الأفكار على أعقاب التغيرات الكبرى التي حدثت في أوروبا ومهدت لها في القرن التاسع عشر فيما عرف بعصر العلم، وعصر الثورة الصناعية، وعصر صعود الطبقة البورجوازية. وعصر الثورات الكبرى ( الأمريكية والفرنسية ) ، وعصر الفكر الحر، وعصر المذاهب الفلسفية الرئيسية ( الهيجلية والماركسية ) ، وتحدد مضمون الكم الفكري المؤسس لحركة التنوير في الأساس بالموقف من الدين وفكره ( وهو هنا المسيحية المحرفة ) ، كما رسم الفكر العقلاني الإنساني السابق على حركة التنوير والمصاحب لها، ولهذا اتسم فكر التنوير بعداء شديد ورفض للدين مسوَّغ بالعقلانية التي ترفض الغيبيات، وتجمع بين الدين وبين الخرافة والخزعبلات في وعاء واحد ) .
أما دعاوى أهل التنوير في العالم الإسلامي ، فيقول عنها : ( ومن هنا فالتنوير السائر هو في حقيقته ليس تنويراً على الإطلاق بل محاكاة وتقليداً وجموداً على أفكار غربية سقطت حتى من سياقها التاريخي والثقافي الخاص ..وفوق هذا فالتنوير الذي يُروِّج له بعض الناس الآن ليس تنويراً بالمفهوم الذي قد يتبادر إلى الذهن ؛ من نشر للعلم والفكر والتأمل العقلي، بل هو لا يعدو ـ كما قلنا ـ إطلاق شعارات عامة غامضة موجهة كلها ضد الدين ( الإسلام ) ، في إطار خطة لا تنويرية ولا عقلية ولا علمية بل سياسية محضة، هي ما اصطلح على تسميته بسياسة مكافحة التطرف والإرهاب المزعومين والمنسوبين إلى الحركات الإسلامية وإلى دعاة الإسلام. وإذا كان من صدق في نية الحديث عن التنوير فكان يجب أن يكون كذلك عن الإسلام، وفي إطاره وخدمة لدعوته ) . ( مجلة البيان ، العدد 159 ) .
ويقول الدكتور محمد السيد الجليند في كتابه " فلسفة التنوير بين المشروع الإسلامي والمشروع التغريبي " ( ص 12 – 17 ) : ( إن مصطلح التنوير -كغيره من المصطلحات العَلمانية- وفد إلينا من الغرب ضمن مجموع المصطلحات التي غزت ثقافتنا المعاصرة خلال حركة الاتصال الحديثة بين مصر والعالم الغربي -خاصة فرنسا- خلال القرنين الأخيرين.
ولقد نشأ هذا المصطلح في ظروف تاريخية عاشتها دول أوروبا شرقاً وغرباً، كانت ثقافة الشعوب في أوروبا خلالها قاصرة على ما تمليه عليهم سدنة الكنيسة ورجالها، وكانت السيطرة الثقافية واللاهوتية وتفسير الظواهر الطبيعية خاضعة لرجال اللاهوت الكنسي، لا يجوز مخالفتها، باعتبار ذلك وحياً لا تجوز مخالفته...
ومن المعروف تاريخياً أن موقف الكنيسة وآراء رجالها كانت في العصور الوسطى تمثل الجهل والتخلف والخرافة، فلقد طلبوا من المسيحيين الإيمان والإذعان لآرائهم في تفسير الظواهر الكونية مدعين أن الدين ( الكنيسة ) يختص بتفسير هذه الظاهرة، وإن الخروج عليها كفر وإلحاد، ويكون جزاؤه الطرد من رحمة الكنيسة.
ومن المفيد أن ننبه هنا إلى أن موقف الأديان من الكون وظواهره هو الإيمان بما هو موجود على ما هو عليه في الوجود، دون أن يفرض الدين تفسيراً معيناً لهذه الظاهرة أو تلك، تاركاً ذلك كله لمنطق العلم وما يصل إليه العقل من اكتشافات وعلاقات بين الأسباب والظواهر، دافعاً للعقل أن يعمل ويكتشف القوانين ويدرك العلاقات، جاعلاً الكون كله خاضعاً لسلطان العقل بحثاً واكتشافاً وتسخيراً وتوظيفاً. ومن هنا كان الكون كله آية دالة على خالقه، وكان أكثر العلماء اكتشافاً لقوانين الكون وأكثرهم إدراكاً للعلاقات أشدهم خشية لخالق هذا الكون. هذه نقطة تحتاج إلى بسط وتفصيل أحسب أن له مجالاً آخر، ولكن أردنا أن ننبه هنا إلى السقوط الذي وقعت فيه الكنيسة بفرض آرائها على العلماء ودعوى احتكارها تفسير الظواهر الكونية، ووجوب الخضوع لتفسيراتها وقبول آرائها في تفسيرهم للظواهر الطبيعية، وترتب على ذلك ميلاد حركة التنوير الرافضة للكنيسة ولآرائها، معلنة أن ما يدعيه رجال الكنيسة باطل لاحق فيه، جهل لا يسنده علم، خرافة لا يقبلها العقل.
ولما كان رجال الكنيسة هم الممثلون للدين. فقد فتش العلماء فيما يطالبهم رجال الكنيسة الإيمان به والاعتقاد بصحته، فوجدوا أن هذه الآراء، وتلك التفسيرات، خرافة لا يقرها العقل، وجهل لا يقبله العلم، وظلام وتخلف لا يثبت أمام النقد ومنطق العلم، فأعلنوا ثورتهم على هذه الآراء وتلك الخرافات التي ارتبطت في أذهانهم بالكنيسة ورجالها.
وبدأت قصة هذا الصراع المرير بين الكنيسة والعلماء منذ أيام كوبرنيق ، الذي أعلن عن آرائه في الطبيعيات والفلك ومركز الكون، وكلها على نقيض ما يدعيه رجال الكنيسة، وانسحب ذلك الموقف بكامله على الدين بمفهومه العام.
لم ينتبه العلماء إلى ضرورة التفرقة بين رأي رجال الكنيسة والدين الصحيح في مفهومه العام. وصار الدين عندهم -كما عرفوه من رجال الكنيسة- تجسيداً للتخلف والجهل والخرافة. وأصبح رجل الدين رمزاً لكل هذه المعاني. فهو داعية للجهل. محارب للعقل. رافض للعلم، ولا شك عندي - أن هذه الكوكبة من العلماء التي عاشت هذه المعركة كان ينقصها العلم بالدين الصحيح، الذي نزل على عيسى عليه السلام، فضلاً عن جهلهم التام بالإسلام واحتضانه للعلم، وتكريمه للعلماء، ولا شك عندي أيضاً أن رجال الكنيسة الذين أعلنوا هذه الحرب التاريخية على العلم والعلماء قد أساءوا إلى المسيحية، وأفسدوا بموقفهم هذا حركة التاريخ المعاصر. فلا انتصروا لدينهم، ولا حققوا النصر على عدوهم، بل كانوا بموقفهم هذا الباب الطبيعي الذي فتح على مصراعيه لدعاة الإلحاد والثورة على الكنيسة والدين معاً، حيث صوروا الموقف على أنه صراع بين الدين والعلم، وليس بين رجال الكنيسة والعلماء بين العقل والخرافة، بين النور والظلام بين التقدم والتخلف، وكان مفهوم التنوير يعني التحصن بمنطق العلم والعقلانية، ضد هذا الدين ورجاله، الذين يمثلون الجهل والخرافة، فكان لابد أن ينتصر العلم في مواجهة الجهل، وينتصر العقل في مواجهة الخرافة، والتقدم في مواجهة التخلف.
وكان مصطلح التنوير هو المعبر عن نتيجة هذه المعركة التي حسمها التاريخ والواقع لصالح العلم والعقل والنور ضد الكنيسة وآرائها، ولقد صورت المعركة كلها على أنها صراع بين الدين، بمعناه العام، وكل معاني التنوير التي هي العقلانية والتقدم، وانتقلت المعركة بكل ملابساتها وظروفها إلى عالمنا العربي بدون أن يفطن دعاة التنوير في عالمنا العربي إلى أن الإسلام ليس هو الكنيسة، ولا عالمنا العربي هو أوروبا، ولا الحضارة الإسلامية هي الحضارة الأوروبية في عصورها المظلمة، فليس الدين عندنا رافضاً للعلم، ولا محارباً للعقل.
وأخذ دعاة التنوير عندنا يصورون المعركة في بلادنا على أنها صراع بين الإسلام والعلم، بين الدين والعقل، بين ضرورة التخلص من الماضي، والنهوض بالمستقبل، وكان النموذج الغربي في نظرهم هو المثل والقدوة التي ينبغي أن نحذو حذوها، ونسير في ركابها ، حتى لو دخلوا جحر ضب خرب لدخلناه معهم.
وأصبحت الثنائية التناقضية بين الدين والعلم عنواناً لحركة التنوير، وملازمة لها في بلادنا، فكما رفض العلماء في أوروبا الكنيسة، وأعلنوا الحرب عليها، دليلاً على التنوير ، أخذ دعاة التنوير عندنا بنفس المبدأ، فأعلنوا الحرب على الإسلام ورجاله، لكي يعلنوا عن أنفسهم أنهم تنويريون ودعاة التنوير، وكما أعلن العلماء في الغرب أن الدين -الكنيسة- خرافة، ورجاله رموز للجهل، أخذ دعاة التنوير في بلادنا يلصقون نفس التهم بالإسلام ورجاله، ولو أنصف هؤلاء الدعاة إلى التنوير لبدأوا دعوتهم من حيث بدأ الإسلام، الذي يجعل العلم ديناً وفريضة، ويجعل حاكم العقل في عالم الشهادة ميزاناً لا يخطئ، ولو أنصفوا لفرقوا بين الإسلام والكنيسة، وبين الشرق والغرب ) .
الخلاصة : إن أراد ليبراليونا ( ملتحون وغير ملتحين ) بالتنوير ، استنساخ النموذج الغربي في الصراع بين الدين المحرف والعلم ، ونقله لبلادنا : فليس عندنا - ولله الحمد - تضاد بين الإسلام ( الدين الحق ) ، والعلم الدنيوي النافع ، إنما التضاد في عقولهم . وإن أرادوا به ضرورة الاهتمام بالعلوم الدنيوية النافعة ؛ فلا أظن عاقلا يعارضهم في أهمية ذلك ؛ كالاهتمام بالصناعة والتجارة والتطوير الإداري ... الخ ، فلماذا حشر الأمور الدينية ?
تنبيهان :
1- مقال مناسب لهذا الموضوع ، عنوانه : ( يا بني علمان .. ماقولكم في اليابان ؟ ) على هذا الرابط : http://saaid.net/Warathah/Alkharashy/m/9.htm
2- مدعو التنوير لدينا ، لن تجدهم - جميعًا - يواجهون الإسلام " بصراحة " ، كما فعل قدواتهم في الغرب ؛ لعلمهم بخطورة هذا وحساسيته ، لذا لجأ معظمهم إلى محاولة هدمه من الداخل ؛ بفكرتهم الماكرة : " تاريخية النص " ، التي تُعطل نصوص الكتاب والسنة ، وتُفرغها من محتواها الحقيقي ، والوصول لهدفهم بهذا الالتفاف . ( وتوضيح هذا في محاضرة للشيخ محمد المنجد " الفهم الجديد للنصوص "
. والله الهادي ..