ريمي هلال
لم تزل السرايا اللبنانية لمقاومة الاحتلال الاسرائيلي، خارج الاضواء الكاشفة للاعلام اللبناني، رغم تخطيها عتبة التأسيس ومخاضات الولادة، وامتلاكها أسباب الفاعلية الميدانية والحضور المقاوم . ويعود ذلك إلى الخصوصيات الكثيفة التي احاطت بمشروع السرايا نفسه، وهي ما تجعل من السرايا تجربة غير مسبوقة وغير متماثلة، ورغم انضوائها من الناحية الميدانية واللوجستية تحت اشراف أختها الكبرى المقاومة الاسلامية، إلا أن السرايا اختصت بميزات واحيطت بظروف استثنائية تجعل منها تجربة قائمة بذاتها: ثمة غفل فردي ذائب في هوية جماعية، وهذه الهوية ليست سوى"وطنية" صرفه مكثفة وشديدة الحضور، وسيبقى ملفتاً في هذه التجربة، وهو أقوى مواطن تميزها، إنها إطار توحيدي لمقاومين من روافد سياسية وطائفية ومناطقية مختلفة، وهي بذلك تعكس صورة الفسيفساء اللبنانية الراسخة، لكن وفق مفارقة مدهشة هذه المرة، تنأى بالتنوع اللبناني خارج مجاله التصارعي إلى مجال تكاملي وتوحيدي، تمدّه المقاومة بمادته ومعناه، ومجدداً تغدو المقاومة اختراقاً للانقسام اللبناني بمنطقها التوحيدي، بدل أن يخترقها هذا الانقسام بخطابه و تجاذباته ، وكذلك ، سيبقى ملفتاً في هذه التجربة ولدى مقاومي السرايا، ذلك الانتماء المحض للوطن وذلك العداء المطلق للمحتل الاسرائيلي من خلال انخراطهم الصامت لكن المؤثر جداً في فعاليات المقاومة، خارج سياقات التحزب وبعيداً عن تناحر السياسات والافكار.
إلى ذلك تندرج السرايا اللبنانية لمقاومة الاحتلال كتجربة ونموذج في سياق تطور نوعي في مسار الصراع مع العدو الاسرائيلي، ولئن شكلت ولادة "السرايا اللبنانية ".. استجابة لدعوة الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله لتأسيسها إلا أن هذه الدعوة في جوهرها، مثلت تعبيراً عن لحظة تاريخية لوعي لبناني مكثف، التقط الأمين العام نضج ظروفها ومعطياتها وتضافر مقومات نجاحها واكتمال شروط تشكلها وانطلاقها، وبهذا لم تكن " السرايا" ، بحال من الاحوال تكيُّفاً تكتيكياً مع ضرورات مرحلة، ولا استجابة عابرة لمناخات المطالبة بعدم الاستئثار ، بل نقلة تطورية في مسار المقاومة بالاستناد إلى تطور في وعي وواقع الصراع مع العدو.
لقد طالما طرحت المقاومة في ادبياتها ضرورة تشكيل مجتمع مقاوم، وبناء كتلة تاريخية تضم بين جنباتها تيارات وتنويعات سياسية وفكرية مختلفة تنضوي جميعها في إطار مواجهة تاريخية مع العدو، ويبدو ذلك ضرورة لا مناص منها، في إطار رسم استراتيجية مستقبلية لمواجهة شاملة وجذرية مع العدو تتجاوز الحسابات الموضعية الحاكمة لهذه الساحة أو تلك من ساحات المواجهة .
أما مؤشرات توزع عناصر السرايا بحسب مستوياتهم العلمية فسيظهر أن استقطاب السرايا يتوزع على مختلف شرائح المجتمع اللبناني بلحاظ المستوى العلمي، لكنه يتركز بصورة رئيسية في المجال الطلابي أو الذين هم حديثو عهد بترك مقاعد الدارسة (35.7% يحملون شهادات ثانوية)، كما أن السرايا نجحت في استقطاب كتلة تعتبر مرتفعة نسبياً من أصحاب الاختصاصات العليا ( 5,9%) ، وبالمحصلة فإن مؤشرات الوضع الاجتماعي لمقاومي "السرايا" يخلو بصورة عامة من المفارقاتـ التي يعكسها عادة ارتفاع أو انخفاض حاد في بعض المتغيرات، ما يدل على غياب تمركزات أو ضمورات اختلالية في التوزع الاجتماعي، ويؤشر على وجود بنية بشرية غير مشوهة اجتماعياً، وتمتلك عناصر التوازن على نحو اجمالي .
ثانياً : على المستوى السياسي :
ينطوي الانتماء الحزبي لعناصر السرايا على أهم دلالات البعد السياسي للبنية البشرية "للسرايا " وتليه دلالات الانتماء الطائفي والمناطقي، رغم كون هذين الاخيرين هما متغيران اجتماعيان وليسا سياسيين .
من حيث الانتماء الحزبي تشير الجداول إلى أن نسبة الحزبيين السابقين بين عناصر السرايا تبلغ (51%) ، بينما تبلغ نسبة اللذين لا زالوا يمارسون انتماءهم الحزبي ( 6.8%) ، أي أن نسبة من لا يملكون تجارب حزبية وربما سياسية بالمعنى المباشر للكلمة ، تبلغ ( 42.2%) ، واذا كانت نسبة الحزبيين السابقين المرتفعة مبررة تماما ، ذلك أن هذه الشريحة من الناس هي عادة الاكثر اقبالاً على القضايا العامة وامتلاكاً للاهتمامات الوطنية بحكم التعبئة السياسية التي نشأت عليها، فإن ذلك يشير بدوره إلى أن انسداد نوافذ المقاومة وعدم توفير القنوات الملائمة لممارسة الواجب الوطني بفعالية ميدانية في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي لدى هذه الاحزاب هو ليس نتيجة فقط لآزمة هذه الاحزاب بل هو سبب أيضاً، وبالتالي فإن الاستجابة العالية والسريعة للحزبيين السابقين للانخراط في اطار مقاوم حيادي تكشف توق الاتجاهات القاعدية لدى الاحزاب لاعادة ترتيب بنيتها وفق اولوية المقاومة .
أما نسبة غير الحزبيين (42.2%) وهي نسبة معتدلة ، قياساً للحزبيين السابقين والحاليين، فهي تكشف بدورها أن العداء لاسرائيل في الاوساط اللبنانية ليس قضية سياسية ترتبط بنخب تمارس السياسة وتتعاطى الشأن العام. بل هو من مقومات الانتماء الوطني وحالة صميمة راسخة، وهي تتجاوز مستوى التجاوب العاطفي إلى الاستجابة العملية لترجمة هذا العداء .
وهذا ما يفسر بدوره توازن التوزع الطائفي لدى عناصر "السرايا". مع ملاحظة ضمور نسبي على المستوى المسيحي اذا ما درسناه بالمقارنة مع النسب المطلقة للتوزع الطائفي اللبناني، إلا أن نسبة المشاركة المسيحية نفسها تبدو مرتفعة اذا قاربنا الموضوع من زاوية الخصوصيات المسيحية وتعدد الاشكاليات التي احاطت بهذه الساحة، وستبدو هذه النسبة مرتفعة جداً بلحاظ خصوصيات السرايا نفسها وظروف نشأتها ومسارات عملها .
ومن ناحية ثانية .. يظهر أن ارتفاع نسبة الاقبال السني والدرزي على الانخراط في "السرايا" تعود إلى توفر واقع تعبوي عدائي لاسرائيل في هذين الوسطين لكنهما يفتقدان إلى الاطر المنظمة لممارسة هذا العداء..
تم إضافته يوم الخميس 18/03/2010 م - الموافق 3-4-1431 هـ الساعة 2:38 صباحاً