حوار وتجديد (متابعات) سمر الصالحي :
متى أبني منزلاً؟.. سؤال يبحث عن إجابة، ومن يملكها فقط هو صندوق التنمية العقاري والبنوك ومصلحة المعاشات والتقاعد والتأمينات الاجتماعية، فهل المواطن العادي الذي يملك راتباً لا يفي بمتطلّبات أسرته، قادر على الادخار لتملك المسكن؟، نسمع عن حلول لتمليك منازل لا تبارح الورق، "نسمع جعجعة ولا نرى طحناً"، فماذا سيحدث لو تحقق جزء منها كالرهن العقاري؟، أو تقسيط مساكن؟، حيث إننا أمام معضلة لابد من إيجاد الحلول المناسبة لها، وإلاّ سيواجه الجيل الحالي مشاكل كبيرة في المستقبل.
16 عاماً
يقول المواطن "سعيد بن معجب": "والله براتبي ووضعي الحالي لن أستطيع تملك منزل ولا حتى أرض"، مضيفاً للأسف نعيش أزمات متتابعة وغلاء معيشة وغيرها أثرت على عدم ادخارنا لمبالغ من الممكن أن تساعدنا على امتلاك منزل، مشيراً إلى ظهور اسمه ضمن أسماء البنك العقاري بعد انتظار تجاوز 16 عاماً، إلا أنه لا يملك أرضاً ولا مالاً سوى راتبه فقط، متسائلاً: ماذا تعمل لي 300 ألف ريال وهو المبلغ الذي يقدمه صندوق التنمية العقاري؟، إنها لا تجدي في بناء الأساس (العظم) في الوقت الراهن بسبب غلاء أسعار مواد البناء.
أريد "حوش"
ويضيف "بن معجب": بودي أن أستطيع التنازل عن القرض مقابل سكن مناسب ولو على شكل "حوش"، لأنني لا أرغب السكن في شقق ولم أتعود عليها، متأسفاً بقوله: أنا مستأجر منذ عام 1410ه وبقي على تقاعدي 16 سنة فقط، وإلى الآن تصور رجلا بسني لم يملك منزلاً، والبنوك إذا تقدمنا عليهم يطلبون منا ضعف ما يعطوننا، حيث إنني لا أرى أملاً في تملك منزل، فراتبي 5300 ريال، ولا أقوم بتوفير شيء في نهاية الشهر، فهو موزع على الإيجار والمعيشة ومتطلبات الأسرة، مشيراً إلى أن اثنين من أقاربه ظهرت أسماؤهم في صندوق التنمية العقاري ويؤجلون ذلك منذ أعوام، لعدم استطاعتهم البناء في ظل الظروف الراهنة، موضحاً أنه لابد من معجزة ليملك أرضاً قبل أن يملك مسكناً مناسباً، لأن الأراضي التي يقال عنها رخيصة ويعلن عنها في وسائل الإعلام، لا يوجد فيها أي خدمات لا كهرباء ولا ماء.
نسبة الفوائد عالية
ويقول مواطن آخر ضاقت به السبل لإيجاد مسكن: إن ارتفاع أسعار العقار أصبح عائقاً بالنسبة لي لامتلاك منزل، فأنا أنتظر منذ فترة طويلة لأرى اسمي في البنك العقاري، مع أن القروض التي يقدمها لا تفي بالتزامات البناء والتشييد، وقد ذهبت قبل أيام لأحد البنوك ليقوموا بشراء قطعة أرض لي في حي قريب من أقاربي، فهالني ما سمعته من الموظف فقد حدد لي القرض بستمائة وخمسين ألف، بقسط 7200 ريال تقريباً على مدى 15 سنة، والفائدة كبيرة جداً، وآمل أن ينظر للمواطنين بعين العطف، ليتمكنوا من تملك منازل أو شراء أراضي سكنية بيسر وسهولة وبهامش ربح حقيقي.
أريد بيتاً لأبنائي
ويؤكد "هادي الشمري" -موظف - أنه معجب بحملة يقودها بعض الشباب عبر "الفيس بوك" عنوانها "أريد بيتاً لأبنائي قبل مماتي"، حيث طالبوا فيها بضرورة إيجاد آليات لتملك مساكن لهم ولأبنائهم، مدللين على الإحصائيات وحجم المشكلة، وقال: إن نسبة تملك المواطنين للمنازل بدأت تأخذ في الانخفاض إن لم تتدخل الجهات المسئولة بحلها سريعاً، فالمواطنون في ازدياد عاماً بعد عام، والحلول تكاد تكون مفقودة، فالبنوك تبيع المنازل بأكثر من ضعف قيمته خلال 20 سنة، والفائدة لديهم ثابتة وليست تناقصية كما هو حال بنوك العالم أجمع، مشيراً إلى أن هدف الحملة كما قرأ هو أن يحصل كل مواطن على سكن لائق به، أو أن ترتفع نسبة تملك المساكن لدى المواطنين إلى (50%) على الأقل خلال السنوات الخمس القادمة بإذن الله.
برنامج مساكن
وأضاف "الشمري" كلي أمل أن توفق هيئة الإسكان وهي الجهة التي أوكل إليها توفير السكن، بأن تعمل على توفيره مهما كان نوعه، ونحن لا نشترط، بل المهم توفير سكن مناسب لأصحاب الرواتب المتدنية، مع تمكين المواطن خصوصاً من الطبقة المتوسطة وما فوقها، الذين يدفعون حالياً إيجارات سنوية من شراء المسكن الملائم، ومساعدتهم بتحويل ما يدفعونه من إيجارات إلى أقساط شهرية، لتملك المساكن الخاصة بهم، متسائلاً: هل برنامج مساكن التابع لمؤسسة التقاعد فشل؟، حيث لم نعد نسمع به، متمنياً أن يتحقق حلمه بتملك مسكن عبر ما سبق وأعلنت عنه المؤسسة العامة للتقاعد عند إطلاقها لبرنامج تمويل شراء وحدات سكنية لموظفي الدولة المسجلين بالمؤسسة، حيث رأيناها في وقت سابق تبرم اتفاقيات مع البنوك المحلية لتنفيذ وإنهاء إجراءات تمليك العقار.
تسربات مياه
ويوضح "قليشان الحارثي" أنه توقع أن تنتهي معاناته في الحصول على مسكن مناسب عندما قام بشراء شقة في إسكان الخرج، عمرها تجاوز 30 عاماً في عمارة قديمة بمبلغ وقدره 110 آلاف ريال، وبعدما انتهى من ترميمها تفاجأ بتسربات مياه عبر جدرانها، وذلك راجع إلى قدمها وتهالكها وسوء الصيانة بها، مضيفاً معاناتي زادت لأن الشقة تقع جنوب الرياض في منطقة تلوث!، ولا يوجد فيها خدمات ولا حتى مساجد، متسائلاً: كيف يتم إنشاء إسكان كهذا ولا يتم توفير الخدمات فيه؟.
سوق العقار
ويؤكد العقاري "أبو نايف" أنه من المهم جداً إعادة تنظيم سوق العقار وتحديد الأولويات لمواجهة ارتفاع الطلب على توفير المساكن للمواطنين، ولابد من الوقوف بوجه الجشع في زيادة الأسعار لأن ارتفاعها غير مبرر، مؤكداً أن مشكلة التملك لدينا مفتعلة من فئات مستفيدة تتحكم بالسوق.
وعن تمليك الشقق للمواطنين وخصوصا فئة الشباب قال: أن نظرة الشاب السعودي في ظل ارتفاع الأسعار اختلفت عن ذي قبل فيما يخص نمط العيش والسكن، ويفسر ذلك بالإقبال القوي على شراء الشقق الآن، لافتاً إلى ارتفاع أسعار الشقق حالياً بسبب الإقبال عليها، مرجعاً مشكلة تملك المساكن إلى أسباب تمويلية في ظل غياب التشريعات والأنظمة، مما جعل الفرد لا يستطيع أن يمتلك سكناً إلا بأسعار فلكية وغير منطقية خصوصاً من ذوي الدخل المحدود.
هيئة الإسكان
ويؤكد "د.صالح الرميح" أستاذ الدراسات الاجتماعية بجامعة الملك سعود: أن مجلس الوزراء الموقر أنشأ هيئة الإسكان؛ لتعمل على تحقيق المسكن المناسب للمواطن، وهذا التوجه الذي بموجبه تم إنشاء الهيئة، وذلك بهدف توفير مساكن مناسبة للمحتاجين غير القادرين على الاستفادة من برامج الإقراض والتمويل الحكومية والخاصة، معللاً أسباب زيادة الطلب على المساكن لرغبة كثير من الشباب في الاستقلالية في سكن منفصل عن الأسر الكبيرة.
ثلث راتبه
وتساءل "د.الرميح" إذا كان لدينا مشكلة إسكان الآن فكيف سيكون الحال مستقبلاً عند الأجيال القادمة؟، والتي ستواجه مشكلة عدم توفير المسكن؛ لأن الإيجار يستحوذ على ثلث راتب هذه الفئة، فكيف يستطيعون التوفير؟، إذن لابد من تكاتف الجهود والعمل على إشباع احتياجاتهم، فلو حصل الموظف على أرض فإنه يصعب عليه بناؤها، وأسعار المواد الآن غير منضبط، كما أن البنوك الآن تفرض فوائد باهظة تثقل كاهل الموظف، والذي يعيش باقي عمره لا يستمتع في راتبه، وقد يتحول مع الوقت إلى شريحة الفقراء؛ لأن مع النمو السكاني المتواصل ووجود نسبة عالية من المواطنين السعوديين من فئة الشباب الذين يحتاجون إلى تملك سكن، فسوف يكون هناك صعوبة بالغة في تملك العقار سواء الوحدات السكنية أو الأراضي، نتيجة ارتفاع الأسعار بشكل كبير، مشيراً إلى أن هاجس الجيل الحالي الجديد هو السكن المناسب، إذن فلابد من وجود آلية عاجلة تستطيع توفير السكن خصوصاً في مناطق كبيرة كالرياض.
مجرد خداع
وعن الإعلانات التي نراها كل يوم عبر وسائل الإعلام المختلفة مثل: "عقارك بمجرد قرارك"، أو "بإيجارك تملك عقارك"، قال "د.الرميح": إنها مجرد خداع من بعض شركات التمويل، وهذه الإعلانات غير منضبطة ولا تخضع للرقابة، وقد يتأثر من اضطر للاستدانة من هذه الجهات نفسياً ويدخل في مشاكل اجتماعية بسبب تراكم الديون وعدم الوفاء بها؛ لأنه من غير الممكن أن يستطيع ذو دخل عادي تملك منزل أو حتى شراء أرض دون المرور بفوائد باهظة، واستغلال الظروف المعيشية للمواطن، مطالباً بتوفير المساكن عبر تملك الشقق في العمائر الكبيرة للقضاء على هذه المشكلة التي باتت تؤرق كل شاب.
للمعلمين فقط
وقد التقت "الرياض" بمسئول في وزارة التربية والتعليم الذي أكد أن بنكاً عالمياً عرض عليهم فكرة تمليك منسوبي وزارة التربية منازل بفوائد منخفضة، وقد رحبت الوزارة بالفكرة وعملت عليها وقامت بمخاطبة أكثر من عشرة بنوك للدخول في منافسة مع هذا البنك، لكي يتم طرح هذا المشروع على أقل البنوك طلباً للفائدة، وقال المسئول: أن هذا المشروع يدور الآن داخل أروقة الوزارة ولقي تجاوباً واهتماماً كبيراً من الجهات القيادية بالوزارة، مضيفاً أنه لو تحقق هذا المشروع فإنه سوف يخفف من معاناة مئات الآلاف من المعلمين والمعلمات ومنسوبي الوزارة، وقال: هذه بشرى سارة سوف نزفها لهم بإذن الله قريباً إذا وفقنا الله بإنجاحها.
حل قادم
وكشفت دراسة أعدها فريق بحثي برئاسة "د.فهد الحريقي" عضو هيئة التدريس في جامعة الملك فيصل أن (66.3%) من الأسر التي يقل عدد أفرادها عن خمسة أشخاص بدأت بالاتجاه للسكن بالشقق، وأن الشقق السكنية تعد النوعية الأكثر رغبة من قبل السعوديين في الآونة الأخيرة، متجاوزةً كل الأنواع الأخرى من المساكن، حيث وجدت تلك الأسر فيها ملاذاً في ظل ارتفاع أسعار الأراضي وتكلفة البناء.
وأوضحت البيانات التي أظهرتها الدراسة أن الطلب على الإسكان في السعودية يقدر ب 2.425.000 مسكن، خلال الفترة من 2005 - 2025 م، ويتضح من ذلك مدى الحاجة إلى تطوير العديد من المخططات السكنية والمساكن للتوائم مع احتياجات المواطن السعودي.
نقلاً عن صحيفة الرياض السعودية